موقع الشيخ الدكتور مبارك المصري النظيف
موقع الشيخ الدكتور مبارك المصري النظيف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي الكريم إن كنتَ زائراً فأهلا بكَ في موقعك المتميز .. ونأمل منك التسجيل معنا ومشاركتنا . وإن كنت عضواً .. فتفضل بتسجيل الدخول.
سائلين الله لك دوام الصحة والعافية.

موقع الشيخ الدكتور مبارك المصري النظيف

موقع إسلامي يهدف إلى تحقيق التواصل بين الأحبة وإقامة المشاركات البحثية المتعلقة بالقضايا التأصيلية
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول
فحلول ذكرى المولد كل سنة، يحمل لأمة الإسلام معنى التجديد في حياتها وسلوكها ويستحثها على مراجعة سيرتها وأخلاقها على هدى القرآن والسنة، تحقيقا للمعنى القرآني العظيم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾. لذا ينبغي أن نعبر في مولد الرسول حقيقة، عن حبنا العظيم له، ونؤكد هذه المحبة و نجددها وندعمها بالبراهين والأعمال المثبتة لها، ذلك لأن المحبة تقتضي الإتباع، وهذا يعني الاقتداء والتأسي بالرسول، باتخاذه المثل الأعلى للمسلم، في حياته كلها، أقوالا وأعمالا، سيرة و سلوكا. إن أعظم احتفال بذكرى المولد، يتمثل في الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم بتحقيق رسالته والتشبث بها، وتطبيق أركان الإسلام ومبادئه، والسير على نهجه وسنته، وإحياء معالمه وقيمه ومبادئه، والتقيد بأوامره و نواهيه وتوجيهاته في حياتنا وسلوكنا، كي يطبع النهج العملي للإسلام أعمالنا، في البيت، والمدرسة، والمحكمة، والشارع وفي سائر مرافقنا، حتى يصبح دين الله هو الغالب وشريعته هي المطبقة والحاكمة والهادية، كما كان الأمر أيام الرسول، وعلى عهد صحابته و تابعيهم، حتى نجعل من الرسول النموذج الأرفع، والمثل الكامل للمسلم الحق، المتشبث بدينه الداعي إليه، المطبق له، العامل به، والذي جعل من سيرته تطبيقا عمليا للإسلام، وتفسيرا حقيقيا للقرآن. لقد حقق الرسول بسيرته و هديه، مبادئ الإسلام و مثله العليا، وجعلها آية في الأرض، لتكون نبراسا لنا و العالمين، وضياء و نورا للناس أجمعين، وجاهد وصابر حتى أصبحت كلمة الله هي العليا، وغدا الحق والخير والعدل سلوك المسلمين ومبادئهم، فأصبحت بذلك المعجزة تابعة للإيمان، بعد أن كان الإيمان تابعا لها، وخلصت النبوة لمهمتها الكبرى، وهي هداية الضمير الإنساني في تمام وعيه، وكمال إدراكه، تحقيقا لإرادة الله، وذلك هو ما جعل من الأمة الإسلامية في فترة وجيزة، أمة مؤمنة، موحدة قوية، متحدة، استطاعت أن تقلب وجه التاريخ، وتقضي على الجهل والعبودية والتفرقة و الظلم، وتكون خير أمة أخرجت للناس. إذا كانت حياة الرسول، وسلوكه، وأخلاقه، ومعجزاته، أنارت عقول العلماء والباحثين، وهدت كثيرا من الحكماء والمفكرين إلى الحق والإيمان، أفلا يحق لنا ونحن نحيي ذكرى مولده الشريف أن نكون أحق وأولى بالإتباع والاقتداء؟ فنتأسى بسيرته ونقتدي بسلوكه ونتخلق بأخلاقه، فنحيي السنن، و نميت البدع، وننبذ الضلالات و السفاهات التي طغت على مجتمعاتنا، و على حياتنا، ولنعتز بالإسلام كما اعتز به الأولون، فقادوا و سادوا، وحققوا المعجزات، وفتحوا الفتوح، ولنجعل من الرسول مثلنا الأعلى، وقدوتنا الأولى، ورائدنا الأكبر
المواضيع الأخيرة
» كلنا فلسطين
الأحد 25 أكتوبر 2015 - 16:50 من طرف Admin

» الدكتور مبارك المصري النظيف يشارك في الندوة الدولية للقاضي أبي الوليد الباجي
الخميس 28 أغسطس 2014 - 21:45 من طرف Admin

» كيف نحتفي بمولد رسول الله (رؤية تأصيلية).
الأحد 5 يناير 2014 - 5:57 من طرف Admin

» مؤتمر التدبر
الخميس 24 أكتوبر 2013 - 6:11 من طرف Admin

» المحاضرات في مادة "أصول الفقه"
الجمعة 13 سبتمبر 2013 - 19:24 من طرف ARSHAK7000

» الأمر: تعريفه، صيغه، دلالته
الجمعة 13 سبتمبر 2013 - 19:19 من طرف ARSHAK7000

» النهي: تعريفه، صيغه، دلالته
الخميس 17 يناير 2013 - 6:53 من طرف Admin

» موقع إعداد مدرس المستقبل
الجمعة 12 أكتوبر 2012 - 9:00 من طرف Admin

» فقه النوازل ( 6 )
الخميس 4 أكتوبر 2012 - 21:41 من طرف راجية الله

آخر الأخبار
أشكر الله سبحانه وتعالى ، وأهيب بالأخوة طلاب الدراسات العليا ، الذين كان لهم الشرف بانتسابهم لجامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم ، نرحب بهم كل الترحاب والموقع بجميع منتدياته يسعهم ولهم فيه كل ما يطلبون من اقتراحات مواضيع تصلح للبحث ، كما سنأمل من الباحثين إثراء هذا الموقع بإسهاماتهم وتعليقاتهم ، ونشرهم وتواصلهم عبر هذا الموقع ، وتقبلوا شكري مع أطيب المنى.
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
عناوين لمواضيع فقهية يمكن الكتابة والبحث فيها
أثر التغيرات البيئية في أحكام العبادات الشرعية دراسة فقهية مقارنة قوادح النسب في ضوء علم الوراثة المعاصر الآثار الضارة للتطور التكنولوجي على حق الإنسان في سلامة جسده زواج الصغار في ضوء تحديد سن الزواج ألعاب القوى في الفقه الإسلامي الأمن وأثره على تصرفات الجاسوس المسلم فوات محل القصاص في الفقه الإسلامي المسابقات التجارية في الفقه الإسلامي وتطبيقاتها المعاصرة الوصية الواجبة [دراسة فقهية مقارنة] أثر سقوط العذرة والبكارة على الزواج الجريمة الاعلامية في الفقه الاسلامي العلاج الجيني للخلايا البشرية في الفقه الاسلامي حق الزوجة المالي الثابت بالزواج وانتهائه التعديل الجراحي في جسم الإنسان - دراسة فقهية مقارنة أثر الأمراض الوراثية على الحياة الزوجية - دراسة فقهية مقارنة جرائم التخويف في الفقه الإسلامي العقود الآجلة في الاقتصاد الإسلامي البديل جرائم الحاسب الآلي في الفقه الاسلامي أحكام البيئة في الفقه الإسلامي أحكام الغصب وصوره المعاصرة في الفقه الإسلامي جزاءات وضمانات عقد التوريد في الفقه الإسلامي سلطة الولي على مال القاصرين في ضوء الواقع المعاصر سقوط القصاص في الشريعة الإسلامية دراسة مقارنة أحكام الوصية بالمنفعة في الفقه الإسلامي أحكام الأعمى في الأحوال الشخصية - الزواج والطلاق أحكام التفويض في الطلاق في الفقه الإسلامي - دراسة فقهية مقارنة أحكام عقود الإذعان في الفقه الإسلامي العاقلة وبدائلها المعاصرة في الفقه الإسلامي الجودة والرداءة وأثرهما على أحكام المعاملات أحكام المسن في العبادات حقوق الله بين الإسقاط وعدمه في الفقه الإسلامي القصاص والتعازير في الشجاج والجروح بين الأطفال ضمان السير في الفقه الإسلامي - دراسة فقهية مقارنة بالقانون المعمول قطاع غزة العجز وأثره على المعاملات المالية في الفقه الإسلامية الأحكام الشرعية للإضرابات في المهن الإنسانية أثر وسائل النقل الحديثة على سفر المرأة دور المرأة في المجال الإعلامي المعاصر في الفقه الإسلامي تقييد الزواج بالمصلحة الشرعية أحكام التحالفات السياسية في ضوء الواقع المعاصر أحكام الصرف الالكتروني في الفقه الإسلامي صور التدليس المعاصرة في عقود الزواج دراسة فقهية مقارنة حقوق الله بين الإسقاط وعدمه في الفقه الإسلامي أحكام إشارة الأخرس في الأحوال الشخصية والحدود والمعاملات وبيان وفق مقاصد الشريعة أثر المرض النفسي في رفع المسئولية الجنائية في الفقه الإسلامي ميراث الخنثى في ضوء الحقائق العلمية المعاصرة وتطبيقاتها في الشرعية في قطاع غزة "موانع الميراث في الشريعة الإسلامية وتطبيقاته في المحاكم الشرعية غزة" الضمانات القضائية للمتخاصمين في المحاكم الشرعية في قطاع غزة الممنوعون من النفقة في الفقه الإسلامي وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية قطاع غزة "موانع القضاء في الفقه الإسلامي" شهادة النساء على دعاوي النفقات وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية في جواب المدعى عليه على الدعوى وتطبيقاته في المحاكم الشرعية في قطاع الاختصاص الوظيفي والمكاني للمحاكم الشرعية في قطاع غزة الدفوع وأثرها في الدعاوي القضائية وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية الدعاوى غير المنصوص عليها في قانون الأحوال الشخصية المعمول المحاكم الشرعية التفريق بين الزوجين بسبب الردة وإباء الإسلام وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية في قطاع غزة الإفتاء في قطاع غزة ودور الشيخ قوصة فيه المنازعة على أرض الوقف وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية بقطاع
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
مجمع شعاع النور الإسلامي وآخر التطورات
يهنئ مجمع شعاع النور الإسلامي الأمة الإسلامية جمعاء في مشارق الأرض ومغاربها ، بحلول شهر الله المحرم رجب الخير المبارك ، أعاده الله علينا بالخير واليمن والبركات ، والشعب المسلم أكثر أمنا وسلامة ، وكل عام وأنتم بخير ،،،،،،
آخر أخبار جامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم
بشرى سارة لمتصفحي الشبكة العنكبوتية باطلاق موقع جامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم ، الموقع الرسمي للجامعة الذي يضم جميع كليات الجامعة ومناشطها المتعددة ، وأنا أهيب بالقائمين بإعداده ، وأسأل الله التوفيق للجميع . نحن على أبواب امتحانات الفصول الدراسية 2/4/6/8 للعام الجامعي 2011 - 2012م ، لطلاب البكالريوس قسم الفقه وأصوله بكلية الشريعة يقيم دورة الداعيات بمركز الطالبات بودمدني والمحاضرات مستمرة كل يوم سبت من كل أسبوع.
الأستاذ الجامعي والبحوث العلمية
يعتبر البحث العلمي في مؤسسات التعليم العالي من جامعات ومعاهد عليا متخصصة مطلباً أساسياً للتميز في أي حقل من حقول الدراسة المتخصصة في مجالات العلوم المختلفة ولاسيما العلوم الطبيعية والتطبيقية، ولقد تمكنت كثير من جامعات العالم من تحقيق درجات عالية من التميز والريادة في مجالات محددة من مجالات البحث العلمي، بل وتحرص على استمرار هذا التميز والريادة في تلك المجالات من خلال باحثين متميزين يكون معظمهم من أعضاء هيئة التدريس الباحثين حتى تتحقق الفائدة التبادلية بين التعليم الجامعي والبحث العلمي. ونظراً لأهمية الدور الأساس الذي يمكن لعضو هيئة التدريس الجامعي الباحث القيام به في مجال البحوث المتخصصة ينبغي إيجاد صيغة فاعلة ومناسبة لتقنين عملية تقويم الجهود البحثية كافة وإيجاد الحوافز التي تدفع إلى التميز الحقيقي والريادة والحرص على الاستمرار في عملية البحث العلمي المتواصل والمترابط في مجالات محددة من خلال تخطيط بعيد المدى. لهذا الغرض فإن هذه الورقة تقدم استعراضاً موجزاً لمكونات النشاط البحثي المتعارف عليه حالياً في جامعة من جامعات المملكة العربية السعودية بالإضافة إلى دراسة بعض وسائل توجيه وتقويم النشاط البحثي وتحليل مدى فاعليتها في تحقيق التميز والريادة المرجوة. ثم تقدم صيغة مقترحة بديلة يرجى من تطبيقها - في توجيه النشاط البحثي للأستاذ الجامعي - تحقيق درجات عليا من التميز والريادة التخصصية الدقيقة في مجالات محددة من البحث العلمي. وتتميز الصيغة المقترحة في هذه الورقة بتأكيدها على استمرار وترابط البحوث العلمية لكل باحث ولكل جماعة بحثية في مؤسسات التعليم العالي والتأكيد على ضرورة إيجاد الحوافز المناسبة لجذب الباحثين المساعدين المتميزين. ومن أجل ضمان تنشيط عملية البحوث العلمية المتميزة واستمرارها تؤكد الورقة على: 1- ضرورة الاستفادة القصوى من الباحثين المساعدين المتميزين بدءاً من تحسين عملية اختيارهم وتطوير قدراتهم البحثية إلى تحسين وتقنين عملية انخراطهم في مجالات بحثية معينة تدعم الجهود البحثية للأساتذة الباحثين من خلال خطة بحثية بعيدة المدى، وإيجاد الآليات التي تضمن استمرار الاستفادة من القدرات البحثية للمتميزين منهم في دعم عملية البحث العلمي. 2- ضرورة تنشيط حركة تأليف الكتب الدراسية وترجمتها من خلال خطة مرحلية تعد بناء على أولويات واحتياجات الأقسام الأكاديمية. 3- ضرورة إنشاء دور نشر علمية متخصصة يكون دورها المبادرة والمساهمة في دفع حركة التأليف والترجمة بحيث يستفاد فيها من الطاقات الإبداعية للأساتذة المتخصصين لتنفيذ مشاريع تأليف وترجمة تكون معتمدة في خطط بعيدة المدى تعدها مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي. 4- نتيجة للنمو المتسارع لحركة العلوم والمعارف الإنسانية في شتى المجالات يلاحظ الدارس لتطوير التعليم العالي في هذا القرن تعدد مسميات وأنشطة مؤسسات هذا التعليم. فمن هذه المؤسسات الجامعات والمعاهد العليا المتخصصة في العلوم والتقنية ومراكز البحوث العلمية المختلفة. ومع هذا التعدد يرجى دائماً أن تكون المحصلة النهائية من أنشطة هذه المؤسسات إثراء المعرفة الإنسانية في المجالات كافة ومنها مجالات العلوم الطبيعية والتطبيقية التي يمكن من خلالها تفعيل عملية الاستغلال الأمثل للبيئة المحيطة أو محاولة التغلب على بعض المشكلات التي تطرأ مثل المشكلات البيئية والصحية، إلا أن تحقيق الأهداف المرجوة من هذه المؤسسات تستلزم عدة أمور منها: 1- وجود خطط مشاريع بحثية بعيدة المدى. 2- وجود باحثين متميزين. 3- تقديم الدعم اللازم. 4- وجود آليات متابعة وتقويم دقيقة. ونظراً لأهمية الدور الذي ينبغي أن يضطلع به عضو هيئة التدريس الجامعي من أجل تحقيق أهداف مؤسسات التعليم العالي لابد من وجود صيغة واضحة لتحديد القدرات البحثية لكل عضو هيئة تدريس، ومن ثم العمل على الاستفادة المثلى من تلك القدرات وقد يكون ذلك من خلال عمل فردي مستمر ومترابط أو من خلال جماعات بحث متخصصة تعمل لتحقيق نتائج بحثية محددة في إطار زمني معين. إن كل مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي تطمح إلى التميز فيما تقدمه من معارف والريادة فيما تحققه من نتائج بحثية، ولكن يبقى تحقيق الريادة في مجالات البحوث المتخصصة أمراً عسير المنال في أغلب الأحيان، وذلك لأسباب كثيرة قد يكون في مقدمتها عدم وجود صيغة واضحة للأهداف التي ينبغي لأستاذ الجامعة الباحث تحقيقها بصورة متواصلة يرجى منها تحقيق التميز والريادة، ولذا وبالمقارنة مع بعض مؤسسات التعليم العالي المتميز في العالم، فإن غالبية مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في العالم العربي - وبعد مضي ما يقارب قرناً من بدء النهضة التعليمية - لم تحقق درجات مرضية من التميز أو الريادة البحثية في أي مجال من مجالات العلوم والمعارف الإنسانية وكان دورها في أغلب الأحيان مقصوراً على تحقيق الحد الأدنى من أهداف التعليم العالي من خلال تزويد طلابها بأساسيات المعرفة المتخصصة فقط دون إيجاد الآليات التي يمكن من خلالها تطوير تلك الأساسيات المعرفية لارتياد مجالات بحثية جديدة. ومع التأكيد على أهمية الاستمرار في الجهود المبذولة في عملية تزويد طلاب مؤسسات التعليم العالي بأساسيات المعرفة التخصصية، إلا أن عدم تحديد الأهداف بعيدة المدى لهذا التعليم قد تكون سبباً فاعلاً في انعدام المنفعة المتبادلة بين التعليم الجامعي ونتائج البحوث وانعدام الحافز لارتياد مجالات بحثية جديدة، وبالتالي فإن إمكانية تحقيق التميز والريادة لمؤسسات التعليم والبحث العلمي في حقل من حقول المعرفة المتخصصة قد تكون ضئيلة جداً. إن التميز والريادة الذي تحقق لكثير من مؤسسات التعليم العالي في العالم لم يتم من خلال التميز في عملية نقل العلوم الأساسية والمعارف فقط، بل من خلال التميز أيضاً في إجراء أبحاث محددة الأهداف ومتواصلة في فترات زمنية متعاقبة، ولذا ينبغي تفعيل آلية محددة لتنشيط البحث العلمي المتواصل والمتميز الذي يحقق أهدافاً بحثية يرجى منها تحقيق الريادة المتعارف عليها في مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي. ونظراً لأن المحرك الأساس لعملية البحث العلمي هو الأستاذ الجامعي الباحث، ونظراً لتعدد العوامل التي تؤثر في نوعية وأهداف نتاجه البحثي فعلى إدارات البحوث في مؤسسات التعليم العالي التأكيد على أهمية تحقيق التميز والريادة في مجالات البحوث المختلفة وذلك من خلال الاستغلال الأمثل لطاقات الباحثين في الأقسام المختلفة، بحيث يكون ذلك من خلال تحديد جماعات بحثية متخصصة حتى تنسجم طاقات الباحثين مع الأهداف المرسومة لسياسة البحث العلمي في حقول علمية محددة مع الحفاظ على تشكيل المجموعات البحثية لأطول فترة زمنية ممكنة لتحقيق الأهداف المرسومة، وتوفير قاعدة تبادل المعلومات التي تيسر للباحثين التعاون مع نظرائهم في مؤسسات التعليم الأخرى. وبعد تحديد الأهداف الأساسية للبحث العلمي يصبح وجود صيغة دقيقة لتقويم الأنشطة البحثية لأستاذ الجامعة الباحث أمراً ضرورياً ومحركاً فاعلاً لتنشيط البحوث العلمية المتميزة التي ينبغي أن تحقق التميز والريادة لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي. هذه الورقة تهدف إلى تحسين عملية تقويم الأداء البحثي للأستاذ الجامعي الباحث في مؤسسات التعليم العالي في المملكة العربية السعودية حتى يستطيع الإسهام بصورة فاعلة لتحقيق ما ترجوه هذه المؤسسات من تميز وريادة، ولهذا الغرض فإن الورقة: 1- تعرض بعض الصيغ التي قد اقترحت أو عمل بها سابقاً في تقويم جميع نشاطات الأستاذ الجامعي بما فيها نشاطه البحثي. 2- تقدم عرضاً تحليلياً عن مدى ملاءمة هذه الصيغ لتحقيق التميز والريادة في مجالات البحوث. 3- تخلص إلى تقديم بعض المقترحات التي يرجى من اعتمادها وتطبيقها في توجيه وتقويم النشاط البحثي للأستاذ الجامعي الباحث «في مؤسسات التعليم العالي» تنشيط البحث العلمي المتميز الذي يحقق التميز والريادة للباحثين في حقول علمية دقيقة ومتخصصة تتجاوز الحيز الضيق الذي غالباً ما يحيط بغالبية البحوث التطبيقية التي يتم اعتمادها وتنفيذها من خلال خطط قصيرة المدى. اللائحة الموحدة للبحث العلمي: انطلاقاً من أهمية الدور الذي ينبغي أن تضطلع به مؤسسات التعليم العالي في مجالات التنمية كافة قامت مؤخراً الأمانة العامة لمجلس التعليم العالي بإصدار اللائحة الموحدة للبحث العلمي في الجامعات وبدراسة هذه اللائحة نجد أنها مكونة من تسعة أبواب شملت جميع الجوانب التي تهم البحث العلمي جاءت كما يلي: 1- أهمية البحث العلمي. 2- أهداف البحث العلمي. 3- التنظيم الإداري للبحث العلمي. 4- أنواع البحوث ومصادر تمويلها، ومكافآت القائمين عليها. 5- جوائز البحث العلمي. 6- النشر العلمي. 7- أخلاقيات البحث العلمي. 8- المجلات العلمية. 9- أحكام عامة. إن محتويات هذه اللائحة تحمل أهمية بالغة وتعقد عليها آمال عريضة في تنظيم وتفعيل عملية البحث العلمي في شتى صوره، بل والدفع به إلى مجالات أرحب في مجالات البحوث الأساسية والتطبيقية على حد سواء. وحيث إن ما نحن بصدده في هذه الورقة هو محاولة استغلال مواد هذه اللائحة في تطوير صيغة جديدة لتوجيه النشاط البحثي للأستاذ الجامعي الباحث من أجل تحقيق التميز والريادة لمؤسسته في حقل تخصصه. يتضح من هذه المواد أهمية الدور الملقى على عاتق الأستاذ الجامعي الباحث وتعدد الأدوار التي يمكنه أداؤها من أجل تحقيق الأهداف العامة لسياسة البحث العلمي، إلا أن الصيغ المعمول بها في عملية تقويم ما يقوم به من أنشطة بحثية تبقى إلى حد كبير ميداناً واسعاً للاجتهاد حتى أصبح تكرار تبديل وتغيير هذه الصيغ أمراً مألوفاً في فترات زمنية قصيرة لايمكن الحصول منها على نتائج تدلل على فعالية أو عدم فاعلية تلك الصيغ في توجيه البحوث العلمية الأساسية والتطبيقية إلى الأهداف المنشودة في فترة زمنية محددة. ونظراً لأهمية وضوح واستقرار صيغ تقويم الأداء الأكاديمي والبحثي للأستاذ الجامعي نعرض لاحقاً صورتين من صيغ هذا التقويم؛ لكن قبل ذلك، وتمشياً مع أهداف هذه الورقة نقدم بعض الملحوظات حول مضامين هذه المواد. ملحوظات حول بعض مواد اللائحة الموحدة للبحث العلمي: وردت هذه اللائحة في تسع وخمسين مادة تنظيمية، ونرى أن هذه المواد في مجملها حددت الآليات المناسبة لتفعيل مناحي كثيرة من جوانب البحوث العلمية، لكن سنقصر الحديث هنا على المواد التي لها علاقة واضحة ومباشرة بموضوع هذه الورقة. وفيما يلي بعض الملحوظات: 1- يلاحظ أن غالبية فقرات المادة رقم (2) تركز على تحفيز الباحثين على إجراء البحوث الأصيلة والمبتكرة، الساعية إلى إثراء المعرفة المتخصصة، وبالتالي العمل على الارتقاء بالمستوى النوعي للدراسات العليا وتنمية أجيال جديدة من الباحثين المتميزين. وهذه أمور بطبيعة الحال قد تكون كفيلة (على المدى البعيد) بتحقيق التميز والريادة التخصصية. إلا إن احتواء فقرة خصوصاً حول تقديم المشورة العلمية وتطوير الحلول العلمية لحل بعض المشاكل التي تواجه المجتمع قد تدفع بأنشطة البحث العلمي إلى آفاق قد لا تتوافق مع الهدف الأساسي لمؤسسات التعليم العالي كمراكز عليا للبحث العلمي الدقيق المتخصص، حيث قد تصبح السمة الغالبة للبحوث والدراسات الجامعية هي خدمة المجتمع في أمور يمكن معالجتها من خلال مؤسسات أخرى متخصصة لا تضطلع بالمسؤوليات نفسها التي أنيطت بمؤسسات التعليم العالي. كما يلاحظ أيضاً عدم تحديد آلية دقيقة لجذب طلبة الدراسات العليا المتميزين الذين يمثلون العناصر الأساسية لبدء واستمرار البحوث العلمية وتحقيق الأهداف المرجوة من البحوث العلمية. 2- يلاحظ أن المادة رقم (17) وردت موجزة بصورة لا تتناسب مع أهمية البحوث العلمية للأستاذ الجامعي الباحث، ولاسيما أن كثيراً من هذه البحوث هي بحوث أساسية، وقد تكون أفضل السبل التي تدفع بمؤسسات التعليم العالي ومراكز البحوث إلى مراكز التميز والريادة. وهذا قد يوحي بعدم أهمية بعض البحوث التي يقوم بها بعض الباحثين بصورة مستمرة ولا تقع ضمن خطة البحوث المعتمدة. كما يلاحظ أيضاً عدم وضوح صور تقديم الخدمات اللازمة لإنجاز هذه البحوث التي يفترض أن يكون من ضمنها تعيين مساعد باحث أو أكثر للعمل مع كل أستاذ باحث نشط في تخصصه الدقيق من أجل ضمان الاستفادة من قدرات الباحثين ومساعديهم على حد سواء. 3- هناك ترابط وثيق بين عناصر المواد رقم (22، 31، 42) ويلاحظ أنها تحفز إلى الاهتمام بالبحوث الأساسية والمبتكرة، إلا أن عدم احتواء اللائحة على توجيه بضرورة تحديد خطة بحثية يرغب في تحقيقها في فترة زمنية محددة قد يجعل من تفعيل بعض هذه المواد عرضة للاجتهاد من قبل الباحثين والمقيمين، وبالتالي فإن العملية البحثية قد لا تحقق الأهداف المرجوة منها كما ينبغي. 4- يلاحظ في المادة رقم (42) ومن خلال سياق تحديد الإنتاج المترجم إيراد عبارة «ذا جدوى علمية أو تطبيقية ملموسة» وهذا أيضاً قد يكون مجالاً خصباً لاجتهاد المقيمين، بل إن عدم تحديد المجالات التي ينبغي أن تحظى بأولية الدعم في فترة زمنية محددة قد تؤدي إلى وأد كثير من الجهود النافعة في هذا المجال. صيغ تقويم الأستاذ الجامعي الباحث: نظراً لتعدد الأدوار التي يرجى من الأستاذ الجامعي القيام بها في عدة مجالات ومنها: التعليم الجامعي كوسيلة لنقل أساسيات العلوم إلى الأجيال الناشئة. عملية البحوث الأساسية والتطبيقية. خدمة المجتمع. تتعدد أيضاً وسائل التقويم للجهود المبذولة لتحقيق هذه الأدوار. وحيث إن وسائل التقويم لا تخلو من الاجتهاد فيجب أن تخضع هذه الوسائل نفسها لعملية تقويم ودراسة دورية، تهدف إلى معرفة مدى معرفة فعاليتها في تحقيق الأهداف المرسومة «إن كانت محددة سلفاً بصورة جيدة!». ولا يمكن لذلك أن يتحقق إلا من خلال دراسات إحصائية مبنية على استخدام تلك الوسائل بصورة مستمرة لمدة زمنية بعيدة المدى ودون تغيير أو تبديل في المعايير المستخدمة في التقويم. ما يهمنا هنا هو النشاط البحثي للأستاذ الجامعي، وهل تصب نتائجه النهائية على المدى البعيد في إطار خطة بحثية محددة الأهداف تنشد التميز والريادة في حقل معرفي متخصص، أم أن هذا النشاط يخدم أهدافاً محددة في المنظور القريب، وقد تقل أو تنعدم سمة التواصل بين نتائج هذا النشاط، حيث نرى أن ما نشر من أبحاث أساسية -في معظم الجامعات العربية- تغلب عليه سمة عدم التواصل الذي ينبغي أن تتميز به البحوث العلمية، وهذا بلا شك أمر يدعو إلى القلق، ويشكل عائقاً أساسياً كانت محصلته الطبيعية عدم تحقيق معظم هذه الجامعات درجات مرضية من التميز والريادة التي ينبغي تحقيقها في مجالات تخصصاتها. ومع أن سمة عدم التواصل هذه قد تعزى إلى عوامل مختلفة ومتعددة، لكن يمكن القول بأن وجود أهداف واضحة ومحددة للبحوث في فترة زمنية معينة، وكذلك وجود وسائل دقيقة لتقويم النشاط البحثي للأستاذ الجامعي الباحث «وهو المحرك الأساسي لكافة الجهود» كفيل بضمان ذلك التواصل المطلوب. ولأهمية هذه الوسائل نقدم صيغتين لهذا الغرض: إحداهما عمل بها فعلاً في إحدى كليات جامعة الملك فهد للبترول والمعادن «انظر الشكل رقم 1». والثانية طورت مؤخراً «انظر الشكل رقم 2»، لكنها حسب علم الباحث مازالت تحت الدراسة والتقويم، ويتوقع اعتمادها قريباً في إطار اللائحة الجديدة المنظمة لأنشطة التدريس والبحث وخدمة المجتمع التي يتوقع أن يقوم بها الأستاذ الجامعي. ونظراً لعلاقتها المباشرة بموضوع هذه الورقة نقتصر على عرض لائحة تنظيم النشاط البحثي للأستاذ الجامعي. ونقدم فيها يلي ملحوظات حول هاتين الصيغتين. أولاً: ملحوظات حول الصيغة الموضحة في الشكل رقم (1): لقد عُمل بهذه الصيغة حسب علم الباحث في بعض أقسام كلية العلوم الهندسية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن. وفيما يلي بعض الملحوظات التي نرى أنها تخدم أهداف موضوع هذه الورقة. 1- فصلت هذه الصيغة بين تعليم مواد الدراسات العليا والإشراف على بحوث طلاب الدراسات العليا وما ينشره الأستاذ الجامعي وبين مجال البحوث ولا تحتوى على معيار ربط يؤكد أهمية الترابط بين هذه الأنشطة. ونظراً لأهمية الارتباط الوثيق بين هذه الأنشطة وتلازمها مع أهداف أنشطة البحث العلمي فينبغي ضمها في مجموعة واحدة تؤكد أهمية دفعها لحركة البحث العلمي الهادف لتحقيق أهداف بحثية محددة في إطار زمني معين. 2- هذه الصيغة لا تميز بين الجهود المبذولة في تعليم مواد الدراسات العليا ومواد الدراسات الجامعية، وقد ينتج عن ذلك تساهل بعض الأساتذة الجامعيين في ربط تدريس مواد الدراسات العليا بالحركة المتسارعة للبحوث العلمية أو عدم الرغبة في تعليم تلك المواد ومتابعة الجديد فيها. 3- هذه الصيغة لا تضع حداً لعدد طلاب الدراسات العليا (مساعدي الباحثين) الذين يسمح للأستاذ الباحث بالإشراف عليهم خلال فترة زمنية محددة، ونظراً لأهمية هذا التحديد من أجل الدفع بالبحوث العلمية فينبغي تقنين توجيه مساعدي الباحثين من خلال تنظيم تتولى تطويره وتنفيذه إدارات البحث العلمي في مؤسسات التعليم العالي التي ترى أن دفع البحث العلمي إلى آفاق أوسع لا يتم إلا من خلال التخطيط الإداري السليم. 4- هذه الصيغة تغفل الجهود المبذولة في تطوير مقترحات بحثية مازالت تحت التقويم أو المراجعة. 5- تفتقر هذه الصيغة إلى بعض المعايير التقويمية الدقيقة والأساسية التالية: - مؤشر الأداء. - نسبة النشاط إلى كافة مجموع الأنشطة. - مقياس أولوية النشاط البحثي نسبة إلى بقية الأنشطة الأخرى. - ارتباط مجال البحث العلمي بخطة زمنية بعيدة المدى يعدها الأستاذ الباحث وتكون ضمن تخصصه الدقيق. وسنرى لاحقاً تعريفاً لهذه المعايير وكيفية استخدامها من أجل الحصول على صيغة جديدة لتقويم كافة الأنشطة بصورة عامة والنشاط البحثي بصورة خاصة. ثانياً: ملحوظات حول الصيغة الموضحة في الشكل رقم (2): تقع هذه الصيغة في الإطار العام للائحة المنظمة «المقترحة» لتقويم النشاط العام للأستاذ الجامعي، وقد صدرت عن وكالة الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن (الظهران) ومع علم الباحث بأن هذه الصيغة مازالت تحت الدراسة والمراجعة، وربما التعديل، إلا أن إيراد بعض الملحوظات حول محتويات هذه الصيغة يخدم أيضاً أهداف موضوع هذه الورقة، ومن هذه الملحوظات ما يلي: 1- يلاحظ أن هذه الصيغة قسمت مجموعة الأساتذة الجامعيين إلى ثلاثة أقسام: باحثين، غير باحثين، ومجموعة خاصة وتشمل الإداريين والأساتذة القدامى والمتفرغين علمياً. 2- يلاحظ أيضاً تأكيد هذه الصيغة على أهمية نشر البحوث في دورات علمية عالية المستوى وهذا أمر محمود، ولكن لم تحو هذه الصيغة في مجملها ما يؤكد أهمية استمرار وتواصل البحوث في مجالات علمية محددة وضمن سياسة عامة، تهدف إلى دفع البحث العلمي إلى التميز والريادة على المدى البعيد. 3- تفتقر هذه الصيغة إلى بعض المعايير العددية الدقيقة مثل: مؤشرات الأداء، نسبة النشاط إلى كافة مجموع الأنشطة، ومقياس أولوية النشاط البحثي نسبة إلى بقية الأنشطة الأخرى. 4- يلاحظ أيضاً عدم وجود تحديد دقيق لنوعية المشاريع التي تستحق الأولوية في الدعم على غيرها، ولا تحتوي هذه الصيغة على ما يدلل على أهمية إعداد الكتاب الجامعي المناسب بطريقتي التأليف والترجمة. 5- ورد في هذه الصيغة استخدام عبارة «التميز في البحث» ولم تورد هذه الصيغة تعريفاً دقيقاً يدفع بالباحثين إلى الحرص على التميز الحقيقي من خلال أبحاث أساسية تبنى على نتائج سابقة وتنطلق إلى آفاق جديدة. صيغة مقترحة لتنشيط التميز في البحث العلمي: إن كل مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي تطمح إلى التميز والريادة في كل علم من العلوم التي تختص فيها، إلا أن تحقيق تلك الطموحات قد يكون صعب المنال، حتى عند توفر الإمكانات المادية اللازمة، متى ما غاب تكامل الأمور الأربعة الأساسية التالية: - سياسة بحثية هادفة ومحددة. - أستاذ جامعي باحث متميز. - تنظيم دقيق لعملية دعم عملية البحوث. - وسائل تقويم عددية لتقويم أهداف البحوث الجارية والمقترحة ومدى تحقيق أهدافها في فترة زمنية محددة. ولذا ينبغي وجود التنظيم الإداري الذي يضمن وجود وتكامل هذه الأمور في كل الأوقات من أجل تحقيق الطموحات المرجوة من البحوث العلمية. إن مؤسسات التعليم العالي في عمومها تضطلع بمهام عديدة ومتنوعة يمكن إجمالها في عمليات التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع، لكن من المتعارف عليه جيداً في الأوساط العلمية أن تحقيق التميز والريادة لا يكون من خلال التعليم فقط أو من خدمة المجتمع فقط، بل يعتبر النشاط البحثي ونتائجه الموثقة في القنوات المعروفة هي الوسائل والمعايير العالمية الأساسية لهذا الغرض. ومع تعدد مجالات البحوث وتنوع صورها ، إلا أنها لابد أن تكون إما بحوثاً أساسية أو تطبيقية، ونظراً لمحدودية أهداف البحوث التطبيقية فإن البحوث الأساسية ونتائجها الموثقة تبقى أفضل وسيلة لتحقيق التميز والريادة التي يطمح إليها كل باحث، بل وكل مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي حتى ولو بعد فترة زمنية غير قصيرة. ولقد ذكرنا فيما سبق أن الصيغ المستخدمة لتقويم الأستاذ الجامعي يمكن أن تسهم بصورة فاعلة في تنشيط جهود الباحثين في كافة المجالات «من بحوث أساسية، تطبيقية، تأليف، ترجمة...إلخ» متى ما وضعت في صورة محددة وموجهة لتحقيق أهداف معينة- بناء على ما يتوفر من إمكانات وخبرات بحثية من خلال أعضاء هيئة التدريس الباحثين- شريطة أن تخضع هذه الصيغ للتقويم والدراسة اعتماداً على النتائج التي تتحقق في فترة زمنية معينة وبدون إغفال المتغيرات أو العوائق التي قد تطرأ. ولكي تكون هذه الصيغ فاعلة فلابد أن تعتمد على معايير تقويمية عددية دقيقة تأخذ في الاعتبار جميع المتغيرات التي قد تؤثر على نشاط الباحث. ولهذا الغرض فإن دراسة الملحوظات التي قدمت حول الصيغتين التقويميتين اللتين تم تطويرهما في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن يدلل على ضرورة تبني وسائل جديدة ودقيقة لتنشيط البحث العلمي الأساسي في جميع التخصصات في فروع العلوم الطبيعية والتطبيقية. ونظراً لأهمية استمرار البحوث العلمية في اتجاه معين ومحدد لفترة زمنية متواصلة- تفادياً لما قد يحصل من تنوع البحوث غير المترابطة من باحث واحد- ومن أجل تحقيق التميز والريادة في التخصصات الدقيقة لابد لأي صيغة توضع لتقويم نشاط الباحثين من أن تضع المعايير العددية المناسبة لهذا الغرض. ونقدم فيما يلي وصفاً موجزاً لصيغة عددية مقترحة لهذا الغرض، حيث تعرض الصيغة في جدولين متتاليين (جدول رقم 1، جدول رقم 2) بحيث تستخدم نتائج الجدول الأول في إكمال الجدول الثاني. وبالنظر إلى أهداف هذه الورقة يلاحظ في الجدول (رقم 1) أن هذه الصيغة تهدف إلى تنشيط عملية البحث العلمي المتميز من خلال تقسيم الأنشطة البحثية للأستاذ الجامعي في ثلاث مجموعات أساسية هي : 1- تدريس طلاب كلية الدراسات العليا والإشراف على بحوث عدد محدد منهم. 2- البحوث الأساسية. 3- البحوث التطبيقية والأوراق المقدمة في المؤتمرات العلمية وغيرها. ويلاحظ أيضاً من مكونات هذه الصيغة احتواؤها على تقويم عددي لكل المقومات الأساسية للنشاط البحثي للأستاذ الجامعي، كما احتوت على وسيلة لقياس أهمية النشاط البحثي ودرجة اكتماله ومدى تواصله وارتباطه مع الأنشطة السابقة للباحث؛ لما لهذا التواصل والترابط من أهمية بالغة في تحقيق التميز والريادة لأي جماعة بحثية (يرأسها باحث علمي متخصص) تعمل لتحقيق أهداف بحثية محددة في إطار زمني معين. أما الجدول (رقم 2) فيحتوي على ملخص كامل لتقويم جميع الأنشطة التي يتوقع أن يقوم بها الأستاذ الجامعي ومن ضمنها نشاطه البحثي، ولذا فإن إكمال الجدول (رقم 2) يعتمد على النتائج التي يحصل عليها من الجدول (رقم 1) كما يلاحظ هنا أن هذه الصيغة التقويمية تؤكد ضرورة فصل عملية تقويم النشاط البحثي للأساتذة الباحثين عن بقية الأنشطة الأخرى. ويرجى من هذا الفصل وضوح مجالات التميز والريادة في مجالات البحوث العلمية، وسهولة عملية تقويم درجة التميز من خلال دراسة تحقيق الأهداف التي يحددها الباحثون أنفسهم. خلاصة ومقترحات: انطلاقاًَ من حرص جميع مؤسسات التعليم العالي، ومنها الجامعات والمعاهد العليا ومراكز البحوث، إلى تحقيق التميز والريادة في كافة مجالات تخصصاتها، ونظراً لتعدد الأنشطة التي يتوقع من الأستاذ الجامعي القيام بها، ولكونه هو المحرك الفعلي لحركة البحوث العلمية بجميع أنواعها فإن على الجهات المسؤولة عن تنظيم أنشطة البحوث العلمية ما يلي: 1- وضع لائحة موحدة ومنظمة لأنشطة الباحثين «كل في مجال تخصصه الدقيق» على أن تحتوي هذه اللائحة على أهداف واضحة يرجى تحقيقها من خلال أنشطة الباحثين في فترة زمنية محددة. 2- توفير الدعم اللازم لكل باحث وضرورة توليه رئاسة جماعة بحثية في حقل تخصصه الدقيق يكون معظم أعضائها من طلبة الدراسات العليا (باحثين مساعدين متميزين) والعمل على إيجاد آليات جذب للطلبة المتميزين للالتحاق في برامج الدراسات العليا من أجل تحقيق الفائدة الحقيقية من برامج الدراسات العليا. وبالنظر إلى المسؤوليات الرئيسة التي أنيط بمؤسسات التعليم العالي تحقيقها (التدريس، البحوث، خدمة المجتمع) يجب الاعتراف بأن النشاط البحثي المترابط والمتواصل هو العامل الأساسي الذي ينبغي أن تعقد عليه الآمال لتحقيق التميز والريادة لأي جماعة بحثية في هذه المؤسسات. من هذا المنطلق تتضح أهمية استخدام صيغة دقيقة لتقويم نشاط الأستاذ الجامعي بصورة عامة وتقويم النشاط البحثي على وجه الخصوص. ولضمان فعالية هذه الصيغة لخدمة الأهداف المتوخاة من البحث العلمي ينبغي احتواؤها على معايير دقيقة منها: نسبة النشاط في مجموع الأنشطة، مؤشر الأداء، وأولوية النشاط البحثي نسبة إلى بقية الأنشطة الأخرى. وينبغي أيضاً احتواء هذه الصيغة على مؤشر معياري لقياس أهمية النشاط البحثي ودرجة اكتماله وتواصله مع البحوث السابقة للباحث، بل واستمرار اتجاه البحث، حيث إن كل هذه الأمور متطلبات أساسية لتحقيق التميز والريادة البحثية في التخصصات الدقيقة في العلوم الطبيعية والتطبيقية. ولذا عرضت هذه الورقة صيغة مقترحة لتنشيط عملية البحوث العلمية الأساسية التي يرجى منها تحقيق التميز للجماعات البحثية في مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، لكن ينبغي التأكيد هنا بأن الفائدة المرجوة من اعتماد هذه الصيغة يعتمد على درجة تبني عدة أمور تنظيمية لدعم جميع مقومات عملية البحوث العلمية ومنها: 1- إيجاد جماعات بحثية في كل مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي اعتماداً على التخصص الدقيق لكل باحث وخبراته السابقة، بحيث يوكل إلى كل مجموعة تحقيق أهداف بحثية محددة. 2- تحديد أهداف بعيدة المدى لكل جماعة بحثية والعمل على تحقيق الأهداف في إطار زمني محدد. 3- دعم أنشطة الجماعات البحثية من خلال تسهيل إجراءات توفير المعدات اللازمة لإكمال أعمالها، وإيجاد آليات جذب للباحثين المساعدين المتميزين، بحيث تسهم كل جماعة بحثية في تطوير هذه الآليات من خلال التعاون مع إدارات (عمادات) البحث العلمي. 4- تأكيد أهمية استمرار البحوث التي يقوم بها الباحثون وضرورة الترابط بين هذه البحوث، ولهذا الغرض يمكن استخدام نتائج التقويم وصيغة التقويم المقترحة في هذه الورقة لقياس درجة تحقيق الترابط بين البحوث التي تقوم بها كل جماعة بحثية. 5- تقديم الدعم المعنوي والمادي للأساتذة الباحثين من أجل تكوين الجماعات البحثية (كل في حقل تخصصه الدقيق) ودعمه بعدد من الباحثين المساعدين المتميزين شريطة تطوير خطة بحثية مقترحة خلال فترة زمنية معينة، ووضع جدول زمني لتحقيق الخطة البحثية. 6- تفعيل دور إدارات البحث العلمي في متابعة مقترحات الجماعات البحثية وإعطائها الدور الإداري الفاعل في تقنين عملية تكوين الجماعات البحثية، وتأكيد أهمية الارتباط الوثيق والتوافق بين الاهتمامات البحثية لكل عضو في الجماعة البحثية مع الأهداف بعيدة المدى لكل جماعة بحثية. 7- تقويم الصيغ المستخدمة لتقويم أنشطة الأستاذ الجامعي من خلال تحليل النتائج المتحققة من أنشطة الأستاذ الجامعي الباحث، أو من أنشطة الجماعات البحثية في فترة زمنية كافية. 8- تنشيط حركة تأليف الكتب الدراسية وترجمتها من خلال خطة مرحلية تعد بناء على أولويات واحتياجات الأقسام الأكاديمية، وضرورة إنشاء دور نشر علمية متخصصة يكون دورها المبادرة والمساهمة في دفع حركة التأليف والترجمة من خلال تجنيد أكبر عدد من الأساتذة المتخصصين في تنفيذ مشاريع تأليف وترجمة علمية تكون من ضمن خطط بعيدة المدى تعدها مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي. ومع الاعتراف بأهمية النتائج التي قد تدلل عليها أي صيغة تستخدم لتقويم أنشطة البحوث بناء على ما يتحقق من نتائج، إلا أن المعايير الرقمية المستخدمة في الصيغة المقترحة في هذه الورقة تبقى نسبية، ويمكن استبدالها بما يناسب الخطط البحثية ومجالات التخصص في كل مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي التي تسعى إلى التميز والريادة في حقول تخصصها. والله الموفق

شاطر | 
 

 الأمر: تعريفه، صيغه، دلالته

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: الأمر: تعريفه، صيغه، دلالته   الخميس 17 يناير 2013 - 7:09

الأمر: تعريفه، صيغه، دلالته

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:



أولا: تعريف الأمر:

تعريف الأمر في اللغة:

يطلق لفظ الأمر في اللغة على عدة معان، منها:

الطلب، كقوله: أمرته بكذا، أي طلبت منه فعل شيء، وجمعه أوامر.

الحال، كقولك: أصلح الله أمرك، أي حالك.

المشاورة، كقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾] الشورى: 38[.

الشأن والفعل، كقوله تعالى:﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾] هود: 97[.

الحكم، كقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾] الحجرات: 9[.

ثم أن العرب تفرق بين جمع الأمر الذي هو القول فتجمعه على أوامر، وبين جمع الأمر الذي هو الفعل فتجمعه على أمور.

تعريف الأمر في اصطلاح الأصوليين:

تعريف القاضي أبى بكر الباقلاني بأنه: "القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به"([1])، واختاره إمام الحرمين، والغزالي.

تعريف أبى إسحاق الشيرازي بأنه: "قول يستدعى به الفعل ممن هو دونه"([2])

تعريف القاضي البيضاوي والأسنوي بأنه: "القول الطالب للفعل".

التعريف المناسب للأمر: هو اللفظ الدال على طلب الفعل على جهة الاستعلاء.

ثانيا: الصيغ المستعملة فى الأمر:


أن أهل اللغة قد قسموا الكلام إلى: أمر ونهى وخبر واستخبار، فعبروا عن الأمر بـ "افعل"، وعن النهى بـ "لا تفعل"، وعن الخبر بـ "قد فعلت"، وعن الاستخبار بـ "هل فعلت".

فالمراد بصيغ الأمر: الألفاظ التي تستعمل في لغة العرب ويستفاد من مفهومها الأمر.

وعند الاستقراء نجد أن الصيغ التي تستعمل في الأمر تتنوع إلى نوعين: صيغ تفيد طلب الفعل صراحة, وصيغ تفيد طلب الفعل استلزاما([3]).

1/ الصيغ التي تفيد طلب الفعل صراحة: تنحصر في أربع:

الصيغة الأولى: صيغة فعل الأمر"افعل"،كقوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشــركوا به شيئا﴾.

الصيغة الثانية: صيغة فعل المضارع المقترن بلام الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ]البقرة : 185[.و(لينفق ذو سعة من سعته) و(وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخــــذوا حذرهم وأسلحتهم) وفي السنة النبوية الشريفة :قوله r: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت, ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره, ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" وقولهr: "من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".

الصيغة الثالثة: اسم فعل الأمر.

اسم فعل الأمر هو الكلمة التي تدل على الأمر ولم تقبل نون التوكيد, وقد أشار إلى ذلك ابن مالك فقال:

والأمر إن لم يك للنون محل *** فيه هو اسم فعل نحو صه وحيهل
ومن أمثلة اسم فعل الأمر في القرآن الكريم: قوله تعالى: ] يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم[، فإن "عليكم" اسم فعـل بمعنى "الـزموا".

وقوله: ] قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [ فإن "هاتوا" اسم فعل بمعنى: أعطني.

ومن أمثلته في السنة النبوية: ما روى عن عائشة رضي الله عنها أن النبي r دخل عليها وعندها امرأة، فقال: "من هذه ؟ قالت فلانة تذكر من صلاتها ، فقال: "مه عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا". ففي هذا الحديث اسما فعل أمر: الأول: مه بمعنى اكفف, والثاني: عليكم بمعنى الزموا ومن ذلك قوله r: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج, ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"، فقوله "فعليه بالصوم" أي: فليلزم الصوم.

الصيغة الرابعة: المصدر النائب عن فعل الأمر:كقوله تعالى: ] فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب[ وقوله: ] وبالوالدين إحسانا [ أي: أحسنوا بالوالدين إحسانا وكقوله: ]فتحرير رقبة[ أي: فحرورا، و]ففدية من صيام [ و] فعدة من أيام أخر[.

2/ الصيغ الاستلزامية للأمر .

وهذه الصيغ التي تدل على طلب الفعل على سبيل الاستلزام, لا الصراحة نذكر منها أربعة:

1- الجملة الخبرية الذي يراد بها الطلب: مثل قوله تعالى: ] والوالدات يرضعن أولادهن [.

2- التصريح بذكر مادة الأمر والفرض نحو قوله تعالى: ] إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات[.وقوله: ] قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [.

3- الإخبار بكون الفعل مكتوبا على المكلفين نحو قوله تعالى: ] كتب عليكم الصيام [.

4- الإخبار بكون الفعل على الناس نحو قوله تعالى: ] ولله على الناس حج البيت [.







[1]- انظر: التقريب والإرشاد 2/5 .


[2]- انظر: اللمع ص 7، التبصرة فى أصول الفقه ص 17 وكلاهما للشيرازي.


[3] - انظر: الموافقات 3/144، تسهيل الوصول للمحلاوى صـ 38 ، الأمر ودلالته على الأحكام الشرعية أ . د / حمدى صبح طه.

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: رد: الأمر: تعريفه، صيغه، دلالته   الخميس 17 يناير 2013 - 7:11

ثالثا: المعاني التي تستعمل فيها صيغة الأمر:

الأول: الإيجاب, وهو الأصل فيها دون قرينة، كقوله تعالى: ]أقم الصلاة لدلوك الشمس[.

الثاني: الندب،كقوله تعالى: ] فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا [ بقرينة أن المالك حر التصرف في ملكه وفى ماله, بقرينة قوله تعالى: ] إن علمتم فيهم خيرا [.

الثالث: الإباحة، كقولـه تعالى: ] فكـلوا مما أمسكن عليكم [ و] ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم [ بقرينة أن الأكل والشرب كلاهما مباح.

الرابع: الإرشاد، كقوله تعالى: ] وأشهدوا إذا تبايعتم [ بقرينة: ] فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته [.

الخامس: الإذن: ] وإذا حللتم فاصطادوا [ والإذن يكون بعد المنع، بخلاف الإباحة.

السادس: التأديب, كحديث:"يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " .

السابع: الامتنان, كقوله: ] وكلوا مما رزقكم الله [ .

الثامن: الإكرام، كقوله: ] ادخلوها بسلام آمنين [.

التاسع: الجزاء كقوله تعالى: ] ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون [ .

العاشر: الوعد، كقوله تعالى: ] وأبشـروا بالجــنة التي كـنتم توعدون [.

الحادي عشر: التهديد، كقوله تعالى: ] فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر [ والقرينة قوله تعالى: ] إنا أعتــدنا للظالمين نارا [ وكقوله: ] اعملوا ما شئتم [.

الثاني عشر: الإنذار: ] قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار [ و] تمتعوا في داركم ثلاثة أيام [.

الثالث عشر: التحسير واللوعة، كقوله تعالى: ] قل مـوتوا بغيظكم [ و] اخسئوا فيها [ .

الرابع عشر: السخرية والامتهان، كقوله: ] كونوا قـــردة خاسئين [.

الخامس عشر: التعجيز كقوله: ] فأتوا بسورة من مثله [.

السادس عشر: الإهانة أو التهكم، كقوله: ] ذق إنك أنت العــزيز الكريم [.

السابع عشر: الاحتقار كقوله: ] ألقوا ما أنتم ملقون [.

الثامن عشر: التسوية،كقوله: ] اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا [.

التاسع عشر: الدعـاء كقوله: ] ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان [ وقوله: ]ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق [.

العشرون: التمني, كقوله: ] قال رب ارجعون لعلى أعمل صالحا فيما تركت [.

الحادي والعشرون: التكوين، كقوله: ] إنما قـولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [

الثاني والعشرون: الخبر كقوله: ] فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا [ والمعـنى: أنهم سيضحكون ويبكـون و] فأذنوا بحـــرب من الله ورسوله [ والمعنى : أذنتم بحرب من الله ورسوله.

الثالث والعشرون: التفويض كقوله: ] فاقـــض ما أنت قاض [.

الرابع والعشرون: التكذيب، كقوله: ] قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [.

الخامس والعشرون: المشورة، كقوله: ] فانظر ماذا ترى [.

السادس والعشرون: الاعتبار كقوله: ] انظـروا إلى ثمـره إذا أثمر وينعه [ و] قـل سيروا في الأرض فانظروا [.

السابع والعشرون: التعجب كقوله: ]انظر كيف ضــــربوا لك الأمثال[ و]أسمع بهم وأبصر[.

الثامن والعشرون: التخيير كقوله: ] فاحكم بينهم أو أعرض عنهم [.

التاسع والعشرون: التصبير: ] فذرهم يخوضوا ويلعبوا [ و] فمهل الكافرين أمهلهم رويدا[.

رابعا: دلالة الأمر (موجبه ومقتضاه):

ما تفيده صيغة الأمر إذا تجردت عن القرائن.

اتفق الأصوليون على أن صيغة الأمر إذا صاحبتها قرينة من القرائن السابقة، فإنها تستعمل فيما تدل عليه هذه القرينة من المعاني السالف بيانها، ولكنهم اختلفوا في صيغة الأمر المجردة عن القرائن هل تكون حقيقة في معنى من هذه المعاني، أو في أكثر من معنى على مذاهب:

المذهب الأول: أن صيغة الأمر إذا أطلقت وتجردت عن القرائن، فإنها تدل على الوجوب حقيقة, وإذا استعملت في غيره فإنها تكون مجازا، وهذا هو مذهب جمهور العلماء من أرباب المذاهب الأربعة وغيرهم.

المذهب الثاني: أن صيغة الأمر حقيقة في الندب مجاز فيما سواه. وهذا هو مذهب أبى هاشــم الجبائى والقاضي عبد الجبار، وجماعة من المعتزلة.

المذهب الثالث: أن صيغة الأمر إذا تجردت عن القرينة كانت للإباحة حقيقة, وتستعمل في غيرها مجازا. وقد نسب لبعض المعتزلة.

المذهب الرابع: أن صيغة "افعل" عند تجردها عن القرائن تكون حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب, وهو الطلب، ولا تستعمل في أحدهما إلا بقرينة. وهو منقول عن أبى منصور الماتريدي من الحنفية ومشايخ سمرقند.

والراجح من هذه المذاهب ما عليه جمهور الأصوليين، مستدلين بالآتي:

1- من جهة اللغة: استدل هؤلاء فقالوا: إن أهل اللغة يحكمون على المخالف لأمر سيده بالعصيان ويذمونه على ذلك وكان هذا بالإجماع قبل ورود الشرع , فدل على أن مدلول الصيغة هو الوجوب وهذا مستفاد من اللغة.

2- من جهة الشرع: استدل هؤلاء بأدلة كثيرة منها ما يلي:

الدليل الأول: أن الله تعالى ذم إبليس على مخالفته أمر السجود لآدم بقوله: ] ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك [.

الدليل الثاني: قوله r: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ".

الدليل الثالث: استدلوا بالإجماع فقالوا: إن السلف من الصحابة والتابعين أجمعوا على أن المعنى الحقيقي لصيغة الأمر هو الوجوب.

الدليل الرابع: استدل هؤلاء بالمعقول فقالوا: إن صيغة "افعل" عند عدم القرينة إما أن تكون حقيقة في الوجوب فقط أو في الندب فقط أو فيهما معا أو في غيرهما والأقسام الثلاثة الأخيرة باطلة، فتعين الأول.

هذا، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.

********

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: رد: الأمر: تعريفه، صيغه، دلالته   الخميس 17 يناير 2013 - 7:13

القواعد المتعلقة بالأمر(1)


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:



فسوف نتناول في القواعد المتعلقة بالأمر الجزء الأول القواعد الثلاثة الآتية:

1. دلالات الأمر على المرة أو التكرار.

2. دلالات الأمر المقيد على شرط أو المقيد بصفة.

3. دلالات الأمر بعـد الحظـر والتحريم.



القاعدة الأولى: دلالة الأمر المطلق على المرة أوالتكرار.


الأمر نوعان: أمر مطلق, وأمر مقيد.

والمقيد: إما أن يكون مقيدا بالمرة الواحدة, أو بالتكرار، أو يكون مقيدا بشرط، أو صفة.

فإن كان مقيدا بالمرة، كقول القائل: أعط زيدا مرة، أو كان مقيدا بالتكرار، كقول القائل: أعط زيدا خمس مرات، فلا خلاف بين الأصوليين في أن الأمر يكون مفيدا لما قيد به.

أما إذا كان الأمر مقيدا بشرط, نحو قوله تعالى: ] وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ [ [ سورة المائدة : 6]، أو مقيدا بصفة، نحو قوله تعالى: ] الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ [ [ سورة النور: 2]، فسيأتي الكلام عنه بعد هذه القاعدة إن شاء الله تعالى.

وأما الأمر المطلق: هو الأمر العاري عن التقييد بالمرة أو التكرار أو الصفة أو الشرط كقولنا: أعط زيدا، فهو محل الخلاف([1]).

حيث اختلف العلماء في هذه المسألة على خمسة مذاهب:

المذهب الأول: أن الأمر المطلق لا يدل على المرة الواحدة, ولا يدل على التكرار، بل يدل

على طلب ماهية المأمور به من غير إشعار بمرة أو مرات، لكن المرة الواحدة لما كان لابد منها في الامتثال؛ لأنها أقل ما تتحقق به الماهية كانت واجبة لهذا. وهذا مذهب جمهور الأصوليين، ومنهم: إمام الحرمين والرازي والآمدي وابن الحاجب.

المذهب الثاني: أن الأمر يوجب التكرار المستوعب لجميع العمر مع الإمكان، إذا لم يقترن به ما يدل على خلاف ذلك. وهذا مذهب جماعة من الفقهاء والمتكلمين منهم أبو إسحاق الإسفراييني والمزني وأحمد وأكثر أصحابه في رواية([2]).

المذهب الثالث: أن الأمر المطلق يدل على المرة, ولا يحمل على التكرار إلا بقرينة. وهو ظاهر كلام أبى إسحاق الشيرازي، والسرخسي ونسبه إلى مشايخ الحنفية وعزاه الشوكاني إلى أبى على الجبائى وابنه أبى هاشــم، وبه قال ابن حــزم الظاهري([3]).

المذهب الرابع: أن الأمر مشترك لفظي بين المرة والتكرار، فيتوقف إعماله في أحدهما على

وجود القرينة. وهذا ذكره الإسنوي ولم ينسبه لأحد([sup][4][/sup]).

المذهب الخامس: التوقف عن القول بالمرة أو التكرار، على معنى أنه مشترك بينهما, أو لأحدهما ولا نعرفه، فيجب التوقف. وهذا هو قول القاضي أبى بكر الباقلاني ومن وافقه([5]).





الأدلــــــــــــة:

أولا: استدل القائلون بأن الأمر لا يدل بذاته على المرة ولا على التكرار، وإنما يفيد طلب ماهية المأمور به فقط، بما يلي:

الدليل الأول: أنه يصح أن يقال: افعل هذا مرة أو مرات، وليس فيه تكرار ولا نقض، إذ لو كان للمرة لكان تقييده بالمرة تكرارا وبالمرات نقضا، ولو كان للتكرار لكان تقييده بالمرات تكرارا وبالمرة نقضا. وإذا ثبت أن الأمر لا يدل على المرة بخصوصها، ولا على التكرار بخصوصه مع أنه مستعمل فيهما، كان موضوعا لطلب الماهية فقط, وهو ما ندعيه.

الدليل الثاني: أن الأمر المطلق ورد تارة مع التكرار ، نحو قوله تعالى: ] فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [ [سورة المجادلة : 13], وورد تارة أخرى للمرة نحو قوله تعالى: ] وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [. فيكون حقيقة في القدر المشترك بين المرة والتكرار, وهو طلب الإتيان بالفعل دون النظر عن المرة أو التكرار دفعا للاشتراك والمجاز.

الدليل الثالث: أجمع أهل العربية على أن صيغة الأمر لا تدل إلا على طلب الفعل في الاستقبال من غير تقييد بمرة أو تكرار([6]).

ثانيا: استدل القائلون بأن صيغة الأمر المطلقة تفيد التكرار بأدلة كثيرة، منها ما يلي:

الدليل الأول: أن الأمر المطلق لو لم يكن مقتضيا للتكرار لما تكرر كل من الصوم، والصلاة والزكاة، لكنها جميعا محمولة على التكرار, فدل ذلك على أن الأمر يقتضيه ويدل عليه.

أجيب عن هذا الدليل: بأن تكرار الصلاة والزكاة والصيام ليس للأمر بها، فالصلاة إنما تجب كلما دخل وقتها, والزكاة إنما تجب كلما حال حولها, والصوم إنما يجب كلما هل هلال شهره، فيتكرر الأمر بتكرر السبب، علاوة على أن هذا معارض بأمر الشارع لنا بالحج، فإنه لا يدل على التكرار ([7]).





الدليل الثاني: استدلوا من السنة بما يدل على أن الأمر المطلق للتكرار, وهو قـول النبـى

r: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"([8])، والمعنى: فأتوا بما أمرتكم به ما استطعتم، وذلك يقتضى وجوب التكرار.

أجيب عن هذا الدليل: بأنه إنما يلزم ذلك لو كان ما زاد على المرة مأمورا به, وليس الأمر كذلك، فلا يدل على التكرار([9]).

الدليل الثالث: أن الصديق أبا بكر رضي الله عنه تمسك في وجوب تكرار الزكاة

على أهل الردة لما منعوا دفعها بقوله تعالى: ] وآتوا الزكاة [, وذلك بمحـضر

من الصحابة ولم ينكر عليه أحد ([10])، فكان إجماعا على أن الأمر يفيد التكرار.

أجيب عن هذا الدليل: بأنه يجوز أن يكون أبو بكر ومن ومعه من الصحابة قد فهموا أن الأمر في الآية للتكرار لوجود قرينة من القرائن، لكون الرسول r أخذها منهم مرارا وتكرارا في أعوام متعددة, والأمر إذا انضمت إليه قرينة تدل على التكرار كان مفيدا له اتفاقا، فيكون الدليل خارجا عن محل النزاع([11]) .

الدليل الرابع: إن الأمر طلب الفعل والنهى طلب الترك، فإذا كان النهى الذي هو أحد الطلبين يفيد التكرار، فكذلك الأمر.

أجيب عن هذا الدليل: أولا: بأنه قياس في اللغة, واللغة لا تثبت بالقياس.

ثانيا: بأنه قياس مع الفارق فلا يصح، وذلك لأن مقتضى النهى عن الشيء الانتهاء، ومقتضى الأمر بالشيء الإتيان به، وإذا كان كذلك فالفرق بينهما ظاهر؛ لأن ترك المنهي عنه في جميع الأوقات ممكن، فلا يمتنع التكليف بمقتضاه، بخلاف فعل المأمور به في كل الأوقات فإنه غير ممكن، فيمتنع التكليف بمقتضاه، وعلى ذلك فالأمر المطلق لا يدل على التكرار ([12]).

ثالثا: استدل القائلون بأن الأمر المطلق يفيد المرة, ولا يفيد التكرار إلا بقرينة، بما يلي:

الدليل الأول: أن من قال لغيره: ادخل الدار, عد ممتثلا بالدخول مرة واحدة، وما ذلك إلا لأن الأمر عند إطلاقه يتبادر أولا: مرة، والتبادر أمارة الحقيقة.

أجيب عنهم: بأننا نمنع تبادر المرة من الأمر المطلق، بل الواقع أن الأمر لا يتبادر منه شيء, وامتثال المأمور بفعل المرة إنما جاء من جهة أن المرة هي أقل ما يتحقق به الامتثال مع عدم الاحتياج في تحققه إلى أزيد منها([13]).

الدليل الثاني: استدلوا بأنه لو قال الرجل لوكيله: طلق زوجتي, لم يملك أكثر من تطليقة واحدة، وعلى ذلك فالأمر يفيد المرة، ولو كان يفيد التكرار لملك أكثر من تطليقة.

أجيب عن هذا: بأنه إنما لم يملك ما زاد على الطلقة الواحدة؛ لعدم ظهور الأمر فيها لا لعدم الاحتمال لغة, ولهذا لو قال: طلقها ثلاثا على التفسير صح([14]).

رابعا: استدل القائلون بأن الأمر المطلق مشترك لفظي بين المرة والتكرار فيتوقف إعماله في أحدهما على القرينة، بما يلي:

الدليل الأول: أنه يحسن الاستفسار في الأمر فيقال: أأردت بأمرك فعل مرة واحدة أو أكثر؟

ولذلك قال أحد الصحابة لرسول اللهr : "أحجنـــــا هذا لعامنا أم للأبد؟"([15])، فلو كان الأمر موضوعا عند العرب للمرة أو للتكرار لما حسن الاستفسار عن الأمر، لكنه يحسن لما ذكرناه، فيلزم الاشتراك بينهما.

أجيب عنهم: بأن ما تقولون به ممنوع؛ لأن حسن الاستفسار لا يدل على الاشتراك اللفظي؛ كما إذا قيل: أعتق رقبة، فإنه يحسن أن يستفسر عنها: أمؤمنة أم كافرة، سليمة أم معيبة، فقد حصل الاستفسار، ولم يلزم منه كون اللفظ مشتركا([16]).



خامسا: استدل القائلون بالتوقف في هذه المسألة:

بأنه لو ثبت مدلول صيغة الأمر في أي من المرة أو التكرار لثبت بدليل إما من العقل أو النقل: أما العقل فلا مدخل له في اللغات، وأما النقل فلا يخلو إما أن يكون عن طريق الآحاد, وهو لا يفيد؛ لكونه ظنيا, والظن لا يكفى في الأصول، وإما أن يكون عن طريق التواتر، لكنه لم يثبت؛ إذ لو ثبت لما وجد الاختلاف، فيجب التوقف.

أجيب عن هذا الدليل: بأنه قد ثبت بالاستقراء دلالة الأمر على مطلق الطلب، والمرة داخلة بالضرورة، ولا يحتاج إلى التواتر؛ لأن الظن كاف في مدلولات الألفاظ([17]).

الترجيح: بعد عرض المذاهب وأدلتها ومناقشتها, يتضح أن المذهب الراجح هو المذهب الأول، القائل بأن صيغة الأمر لا تقتضى مرة ولا تكرارا، وإنما تفيد طلب الفعل من غير إشعار بوحدة ولا كثرة, غير أنه لما لم يمكن إدخال ماهية الفعل في الوجود بأقل من مرة كانت لازمة لهذا، لا لأن الأمر يدل عليها بذاته.







[1]- انظر: أصول السرخسي 1/20, الإبهاج 2/47 ، نهاية السول 2/37 ، إرشاد الفحول 1/303 .


[2]- انظر: المستصفى 2/2 ، الإحكام للآمدي 2/298 ، المعتمد 1/98 ، أصول السرخسي 1/20 ، تيسير التحرير 1/351 ، شرح الكوكب 3/43 ، حاشية البناني 1/380.


[3]- انظر: اللمع صـ 8 ، أصول السرخسي 1/20 ،أصول الجصاص 2/ 142، إرشاد الفحول 1/303 ، الإحكام لابن حزم 3/436.


[4]- انظر: نهاية السول 2/37.


[5]- انظر: التقريب والإرشاد 2/117.


[6]- انظر: تيسير التحرير 1/351 ، حاشية العطار 1/480 , إرشاد الفحول 1/304 .


[7]- انظر: الإحكام للآمدي 2/299 ، شرح العضد 2/81 ، البحر المحيط 2/386 ، نهاية السول 2/40 ، مناهج العقول 2/38 ، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 1/380 ، حاشية العطار 1/481 ، إرشاد الفحول 1/305


[8]- رواه البخاري ومسلم .انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي / ك( الاعتصام ) ب ( الاقتداء بسنن رسول الله - r - ) 4/258، صحيح مسلم بشرح النووي / ك ( الفضائل ) ب (وجوب اتباعه -r - )16/109.


[9]- انظر: الإحكام للآمدي 2/ 300 ، 302 ، التمهيد في أصول الفقه للكلوذاني 1/193.


[10]- انظر: المحصول 1/309 ، الإبهاج 2/51 – 52 ، نهاية السول 2/40.


[11]- انظر: نهاية السول 2/40 ، الإبهاج 2/ 51 ، مختصر تيسير الوصول 2/748 ,حاشية العطار 1/481.


[12]- انظر: المحصول 1/312 ، أصول السرخسي 1/20 ، الإبهاج 2/52 ، مسلم الثبوت 1/382 ، إرشاد الفحول 1/305 .


[13]- الإحكام للآمدي 1/ 300 – 303، شرح العضد 2/82، أصول السرخسي 1/25، الإبهاج 2/53 شرح البدخشي 2/40


[14]- المحصول 1/313، الإبهاج 2/53، نهاية السول 2/41 .


[15]- رواه مسلم في صحيحه بشرح النووي / ك ( الحج ) / ب ( حجـــة النبي - r - ) 8/170.


[16]- انظر : المحصول 1/313 ، الإبهاج 2/53 ، نهاية السول 2/41 ، تيسير أصول الفقه د. فياض2/ 121.


[17]- انظر: شرح الإسنوي 2/37، شرح البدخشي 2/40، الإبهاج 2/49، شرح العضد 2/83، تيسير التحرير 1/354 .

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: رد: الأمر: تعريفه، صيغه، دلالته   الخميس 17 يناير 2013 - 7:15

القاعدة الثانية: دلالة الأمر المعلق على شرط أو المقيد بصفة:


مثال الأمر المعلق على شرط: قوله تعالى: ] وإن كنتم جنبا فاطهروا [, ومثال المقيد بالصفة: قوله تعالى: ] والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [.

حاصل خلاف العلماء في هذه المسألة مبنى على الخلاف في مسألة دلالة الأمر المطلق على التكرار، وذلك لأن القائلين بأن الأمر المطلق وضع للتكرار ملزمون بالقول بأن الأمر المعلق على شرط أو صفة يفيد التكرار من باب أولى، حيث اجتمع للتكرار مقتضيان: الوضع والتعليق.

أما القائلون بأن الأمر المطلق وضع لطلب الماهية فقط, ولا يدل على مرة ولا تكرار فقد اختلفوا في الأمر المعلق على شرط أو صفة على مذاهب:

المذهب الأول: الأمر المعلق على شرط أو صفة لا يفيد التكرار من جهة اللفظ، ولكن يفيده من جهة القياس، وهذا هو مذهب الإمام الرازي, وتبعه البيضاوي([1]).

المذهب الثاني: أنه يقتضى التكرار لفظا عند تكرر الشرط أو الصفة، وهذا مذهب من يرى أن الأمر المطلق يقتضى التكرار, وبعض ممن قال: إنه لا يقتضى التكرار كبعض مشايخ الحنفية, والشافعية([2]).

الدليل الثالث: أنه لا يقتضى التكرار عند تكرر الشرط أو الصفة، لا من جهة اللفظ ولا من جهة القياس، وهذا هو مذهب عامة الحنفية, وبعض المالكية, واختاره الشيرازي والغزالي، والآمدي, وابن الحاجب([3]).

والراجح من هذه المذاهب هو المذهب القائل بأن الأمر المعلق على شرط, أو المقيد بصفة لا يقتضى التكرار لفظا، ولكن يقتضيه من جهة القياس، بمعنى أنه لا يقتضى التكرار إلا إذا ثبت كون كل من الشرط أو الوصف علة، وإذا لم يثبت ذلك، فإنه يأخذ حكم الأمر المطلق العاري عن القرينة، والله أعلم.



القاعدة الثالثة: دلالة الأمـر بعـد الحظـر والتحريم:


العلماء القائلون بأن صيغة "افعل" في الأمر الوارد ابتداء للوجوب، اختلفوا فيما تفيده هذه الصيغة بعد الحظر والتحريم على خمسة مذاهب:

المذهب الأول: أن صيغة الأمر بعد الحظر تفيد الوجوب، كما لو وردت قبل الحظر، وبه قال جماعة من العلماء منهم: أبو إسحاق الشيرازي, والقاضي البيضاوي([4]).

المذهب الثاني: أن صيغة الأمر بعد الحظر تفيد الإباحة ورفع الحرج لا غير، وبه قال مالك

وأصحابه وهو ظاهر مذهب الشافعي, ورجحه الآمدي, وابن الحاجب([5]).

المذهب الثالث: أن صيغة الأمر بعد الحظر تفيد الندب والاستحباب، وهذا نسب للقاضي حسين.

المذهب الرابع:التوقف في مدلول صيغة الأمر بعد الحظر؛ لعدم معرفته. وبه قال إمام الحرمين في البرهان([6])، واختاره الآمدي ([7]).

المذهب الخامس: أنه يدل على رفع الحظر السابق وإعادة حال الفعل إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإن كان مباحا قبل الحظر كان مباحا بعده، وإن كان واجبا أو مستحبا قبل الحظر

كان كذلك بعده، و به الكمال بن الهمام من الحنفية([sup][8])[/sup] ونسبه ابن قدامة إلى أكثر الفقهاء والمتكلمين([sup][9])[/sup].

الأدلــــــــة :

أولا: استدل القائلون بأن صيغة الأمر بعد الحظر تفيد الوجوب بما يلي:

أولا: إن صيغة الأمر حقيقة في الوجوب, قبل الحظر أو بعده، ولا خلاف بين العلماء في أن النهى بعد الأمر يقتضى الحظر، فكذلك الأمر بعد النهى يقتضى الوجوب([10]).

وأجيب عنهم: بأن النهى يقتضى الترك، والأمر يقتضى الفعل, والأصل في الأشياء العدم، فالقول بأن النهى بعد الأمر يقتضى التحريم فيه عمل بالأصل، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، بخلاف القول بأن الأمر بعد النهى يقتضى الوجوب، فإنه عمل بخلاف الأصل .


ثانيا: حجة القائلين بأن الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة:

قالوا: إن صيغة الأمر بعد الحظر قد غلب استعمالها في الإباحة حتى صار هذا المعنى يتبادر منها عند الإطلاق, والتبادر أمارة الحقيقة فتكون صيغة الأمر بعد الحظر حقيقة في الإباحة, يدل على ذلك:

1- الأمر الوارد بالوطء في قوله تعالى: ] فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله [

بعد حظره في الحيض بقوله: ] ولا تقربوهن حتى يطهرن [، والإتيان بعد الطهر مباح.

2- الأمر بالاصطياد بعد التحلل في قوله: ] وإذا حللتم فاصطادوا [ بعد حظره على المحرم بقوله: ] غير محلى الصيد وأنتم حرم [ والاصطياد بعد التحلل من الإحرام مباح.

3- الأمر بالانتشار بعد انقضاء الصلاة في قوله: ]فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض[ بعد حظـره بقوله: ] وذروا البيع [ والانتشار بعد الصلاة مباح لا واجب.

4- قول النبي r: " كنت قد نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فـوق ثـلاث فامسكوا ما بدا لكم" ([11])، فإنه أمر بعد نهى وهو للإباحة.

نوقش هذا الدليل: بأن صيغة الأمر بعد الحظر وإن ورد استعمالها في الإباحة فقد ورد استعمالها أيضا في الوجوب.من ذلك: الأمر بقتال المشركين الوارد في قوله تعالى: ] فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ بعد النهى عن قتالهم في الأشهر الحرم, وهو للوجوب اتفاقا؛ لكون الجهاد فرضا على الكفاية.

ومنه قوله r للمرأة التي سألته فقالت: إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة, فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلى"([12]). وحيث ثبت استعمال صيغة الأمر بعد الحظر في الوجوب كان ذلك معارضا لما ذكرتموه من استعمالها في الإباحة، ولا يمكن الجمع بين الأدلة المتعارضة فيجب إلغاؤها وتساقطها, ويبقى الدليل الذي أقمناه على الوجوب سالما عن المعارض فيعمل به, وتكون صيغة الأمر بعد الحــظر للوجوب, وهو ما ندعيه ([13]).









ثالثا: استدل القائلون بأن صيغة الأمر بعد الحظر تفيد الندب بما يلي:

قوله تعالى: ]فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض [. وجه الاستدلال: أن الأمر بالانتشار بعد انقضاء الصلاة في الآية جاء بعد الحظر الوارد في قوله تعالى: ]وذروا البيع[, وهذا الأمر للندب، أجيب عنهم فيه.

كما استدلوا بقوله r للمغيرة بن شعبة حينما أراد أن يخطب امرأة: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"([14]). وجه الاستدلال: أن الأمر هنا جاء بعد الحظر؛ لأن النظر إلى الأجنبية محرم وممنوع، وقد أفاد ندب النظر إلى من يراد خطبتها لما له من أثر كبير من دوام العشرة والألفة.

رابعا: استدل القائلون بالتوقف في صيغة الأمر بعد الحظر:

بأن الأمر بعد الحظر ورد في بعض النصوص مفيدا للوجوب, وفى بعضها مفيدا للإباحة, وفى بعضها مفيدا للندب كما سبق ، ونحن أمام ذلك لا يسعنا إلا أن نتوقف عن القول بما تفيده تلك الصيغة؛ لعدم معرفة مدلولها حتى يظهر مرجح لأحد تلك المعاني التي ورد فيها.

قال إمام الحرمين: " والرأي الحق عندي: الوقف في هذه الصيغة فلا يمكن القضاء على مطلقها، وقد تقدم الحظر بالإيجاب, وبالإباحة، فلئن كانت الصيغة في الإطلاق موضوعة للاقتضاء، فهي مع الحظر المتقدم مشكلة، فيتعين الوقوف إلى البيان " ([15]).

وأجيب عنهم: بأن هذه النصوص كلها متعارضة، فتتساقط, ويبقى دليل الوجوب سالما عن المعارض([16]) .









خامسا: استدل القائلون بأن صيغة الأمر بعد الحظر تدل على إسقاط الحظر ورجوع الأمر إلى ما كان عليه قبله من وجوب أو غيره:

بأنا إذا تتبعنا موارد الأمر بعد الحظر نجد أن ما يفيده ذلك الأمر مطابق لما كان يفيده قبل الحظر من وجوب, أو إباحة، أو ندب.

فالأمر بالصلاة في قوله r: "إذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلى" للوجوب لأن الصلاة كانت واجبة قبل الحيض، ثم حرمت الصلاة بالحيض، فإذا ارتفع الحيض عادت الصلاة إلى ما كانت عليه وهو الوجوب.



والأمر بالاصطياد في قوله تعالى: ] وإذا حللتم فاصطادوا [ فإنه كان قبل الإحرام مباحا، ثم صار حراما، فلما حدث التحلل عاد الأمر إلى ما كان عليه من قبل وهو الإباحة ([sup][17])[/sup].

ولعل الراجح هذا القول الأخير والله أعلم.





هذا، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه والتابعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.







********






[1]- انظر : المحصول 1/316 ، الإبهاج 2/55 ، تسهيل الوصول إلى علم الأصول للمحلاوي صـ40 .


[2]- انظر : التبصرة صـ47 ، المستصفى 2/7 .


[3]- انظر : اللمع صـ 14 ، التبصرة صـ 47 ، المستصفى 2/7 ، الإحكام للآمدي 2/304 ، شرح العضد 2/83 ، شرح تنقيح الفصول صـ 107 ، أصول الجصاص 2/142 ، كشف الأسرار عن أصول البزدوى 1/185


[4]- انظر : اللمع صـ 8 ، التبصرة صـ 38 ، المحصول 1/304 ، نهاية السول 2/34، كشف الأسرار عن أصول البزدوى 1/181 .


[5]- انظر : الإحكام للآمدي 2/315 ، منتهى السؤل والأمل في علمى الأصول والجدل لابن الحاجب ص 98


[6]- قال : " والرأي عندي الوقف في هذه الصيغة " . البرهان 1/188 ف : 173 .


[7]- الإحكام للآمدي 1/315 ، تسهيل الوصول إلى علم الأصول للمحلاوي صـ39 .


[8]- انظر: تيسير التحرير 1/346 .


[9]- انظر: نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر لابن قدامة 2/75 .


[10]- انظر: التبصرة صـ 39 .


[11]- صحيح مسلم بشرح النووي / ك (الجنائز ) / ب ( استئذان النبي - r - ربه في زيارة قبر أمه ) 7/46


[12]- رواه البخاري ومسلم . انظر : فتح البارى شرح صحيح البخاري / ك ( الحيض ) / ب ( الاستحاضة ) 2/84 , صحيح مسلم بشرح النووي / ك (الحيض ) /ب ( المستحاضة وغسلها وصلاتها ) 4/16 .


[13]- مختصر تيسير الوصول لابن إمام الكاملية 2/741 الإبهاج 2/44 ، نهاية السول 2/35 .


[14]- رواه الترمذى والنسائى والبيهقى والدارقطنى والحاكم في المستدرك , وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . انظر : سنن النسائى 6/70، سنن البيهقى 7/84، سنن الدارقطنى 3/255 ، المستدرك 2/156


[15] - انظر : البرهان 1/188 ف : 173 ، الإحكام للآمدي 2/315 .


[16] - انظر : أصول الفقه للمرحوم الشيخ / محمد أبى النور زهير 2/340 .


[17]- انظر : المستصفى 1/435 ، البحر المحيط 2/380 ، تيسير التحرير 1/346 ، فواتح الرحموت 1/379

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: رد: الأمر: تعريفه، صيغه، دلالته   الخميس 17 يناير 2013 - 7:16


القواعد المتعلقة بالأمر(2)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:

فسوف نتناول في القواعد المتعلقة بالأمر هنا: قاعدتي دلالة الأمر المطلق على الفور أو التراخي، والأمر بالشيء هل نهي عن ضده؟:



القاعدة الأولى: دلالة الأمر المطلق على الفور أو التراخى.

أولا: تحرير محل النزاع:

الأمر إما أن يرد مطلقا أو مقيدا، والأمر المطلق هو الذي يأتي عاريا عن الزمان الذي يقع فيه الفعل، أما الأمر المقيد فهو الذي يأتي مقيدا بزمن يقع فيه الفعل، وهذا الزمن إن كان على قدر إيقاع الفعل سمى بالواجب المضيق مثل: صوم رمضان، وإن كان الزمن فيه أكثر من المدة التي ينبغي إيقاع الفعل فيها, أي: أنه يتسع للفعل فأكثر, سمى بالواجب الموسع، وذلك كصلاة الظهر مثلا، فإن وقتها يسع الصلاة وزيادة.

ولا خلاف بين الأصوليين في أن الأمر المقيد بزمن يفيد إيقاع الفعل في ذلك الزمن الذي قيد به، وإنما الخلاف في الأمر المطلق - غير المقيد بزمن أصلا- هل يقتــضى الفور أم التراخي؟([b][1]):


ثانيا: سبب الخلاف:

سبب الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى نصوص الشريعة الإسلامية, سواء من القرآن الكريم أم من السنة النبوية الشريفة، فقد نظر العلماء فيها فوجدوا أن الأمر في هذه النصوص يأتي أحيانا ويراد به الفور، كما يأتي ويراد به التراخي أحيانا أخرى.

1- مثال الأمر الذي أريد به الفور، قوله سبحانه: ] فآمنوا بالله ورسوله [ (سورة التغابن : 8 ), ولا شك أن الأمر بالإيمان للفور.

2- ومثال الأمر الذي أريد به التراخي قوله تعالى: ] ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا [ ( سورة آل عمران : 97 ), فقد أخره النبي r بعد أن افترض بسنين عديدة مما كان دليلا على جواز تأخيره, ولو كان الأمر به على الفور ما أخره([2]).

ثالثا: مذاهب العلماء في المسألة:

خلاف العلماء في هـذه المسـألة مبنـى على الخلاف في مسألة دلالة الأمر على التكـرار

ذلك؛ لأن القائلين بأن الأمر المطلق يدل على التكرار ملزمون بالقول بأنه يدل على الفور ضرورة أن التكرار يستلزم الفور؛ لأن التكرار مطلوب في جميع ما يمكن من أزمنة العمر ومن جملتها الزمان الأول, فوجب أن يكون الأمر للفور([3]).

أما غير القائلين بالتكرار فقد اختلفوا في دلالته على الفور أو التراخي أو غيرهما على مذاهب:

الأول: أن الأمر المطلق يدل على مجرد طلب الفعل فقط من غير دلالة على فور أو تراخ إلا مع وجود القرينة، فإذا لم توجد، فالامتثال حاصل بالإتيان بالفعل في أي وقت بحيث لا يغلب على ظن المكلف فوات الواجب. وإليه ذهب جمهور العلماء, منهم: الغزالي والرازي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي والشوكاني والكمال بن الهمام وقال: إنه الصحيح من مذهب الحنفية([4]).

الثاني: أن الأمر المطلق يدل على الفور، فالمكلف مطالب بالإتيان بالمأمور به عقب ورود الأمر، فلو أخر عصى بالتأخير, وهو ظاهر مذهب المالكية والحنابلة([5])، والكرخي([6]) وابن حزم([7]).

الثالث: أن الأمر المطلق يفيد التراخي, أي: أنه لا يقتضى التعجيل، بل يجوز التأخير عن أول وقت الإمكان, وإليه ذهب أكثر الحنـفية([8]), وأبو عـلي الجـبائي وابنه أبو هاشم([9]).

الرابع: التوقف إما لأنه مشترك بينهما، أو لأحدهما ولا نعرفه، وهو لإمام الحرمين([10])، وجماعة من الأشاعرة([11]).

رابعا: الأدلــــــــــــــة:

1/ أدلة القائلين بأن الأمر المطلق لا يدل على فور ولا تراخ، بل يدل على مجرد طلب الفعل فقط، استدلوا بما يلي:

الدليل الأول: أن الأمر المطلق ورد استعماله في الفور كما في قوله تعالى: ] فآمنوا بالله ورسوله[, كما ورد استعماله في التراخي كما في قول النبي r: "إن الله كتب عليكم الحج فحجوا", والأصل في الاستعمال الحقيقة، فيكون حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو طلب الفعل من غير تعرض لوقت من فور أو تراخ دفعا للاشتراك اللفظي، إن قلنا: إنه موضوع لكل منهما، وللمجاز إن قلنا: إنه موضوع لأحدهما, وكلاً من الاشتراك اللفظي والمجاز خلاف الأصل، فيتعين الأول، وهو كون الأمر حقيقة في القدر المشترك بين الفور والتراخي([12]).

الدليل الثاني: نقل عن أهل اللغة أنهم قالوا في لفظ ( افعل ): إنه أمر، والأمر قدر مشترك بين الأمر بالشيء على الفور، وبين الأمر به على التراخي؛ وهو مجرد طلب الفعل, وهو المطلوب([13]).

2/ أدلة القائلين بأن الأمر المطلق يدل على الفور، استدلوا بما يلي:

الدليل الأول: قوله تعالى لإبليس: ] ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك [(الأعراف12)، وجه الاستدلال: أن الاستفهام في الآية لا يمكن أن يكون المقصود منه الحقيقة؛ لأن الله تعالى عالم بما منع إبليس من السجود، فيكون المقصود منه الذم والتوبيخ على عدم السجود, والذم على ترك السجود وقت صدور الأمر يدل على أن الأمر بالسجود للفور, وإلا لكان لإبليس أن يقول: إنك ما أوجبته على الفور، فكيف يستحق الذم على تركه في الحال؟ فدل ذلك على أن الأمر في الآية للفور، وإذا ثبت ذلك في الآية ثبت في غيرها؛ لأنه لا فرق بين أمر وأمر آخر.

أجيب عنهم: بأن الأمر في الآية مفيد للفور، لأن قوله تعالى: ]فإذا سويتــه ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين [ (سورة ص:72) جعل الأمر مقيدا بزمن يقع فيه الفعل، وذلك الزمن هو تسوية آدم ونفخ الروح فيه, والأمر المقيد بزمن يقع فيه الفعل ليس كلامنا فيه، فيكون الدليل خارجا عن محل النزاع([14]).

الدليل الثاني: قوله تعالى: ] وسارعوا إلى مغفرة من ربكم [ (سورة آل عمران: 133).

وجه الاستدلال: أن الله تعالى أمر بالمسارعة, وهي المبادرة بالفعل والتعجيل به في أول وقت الإمكان، فتكون المسارعة إلى فعل المأمورات التي توجب المغفرة واجبة، فيدل على الفور.

أجيب عنهم: بأنا لا نسلّم لكم أن حصول الفورية مستفاد من صيغة الأمر، بل هو مستفاد من جوهر اللفظ؛ لأن لفظ "المسارعة" دال عليه كيفما تصرف.

الدليل الثالث: أنه إذا قال السيد لعبده: اسقني ماء، فإنه يفهم منه تعجيل السقي حتى يحسن لوم العبد وذمه في نظر العقلاء بتقدير التأخير, ولولا أن الأمر للفور ما عد عاصيا.

أجيب عنهم: بأن ذلك إنما فهم من القرينة، وهى أنه من المعلوم عادة أن طلب السقي لا يكون إلا عند الحاجة عاجلا, وهذا في غير محـل النزاع([15]).

3/ أدلة القائلين بأن الأمر المطلق يفيد التراخي، استدلوا بما يلي :

الدليل الأول: أن الأمر لو اقتضى التعجيل لكان يقتضيه بلفظه أو بمعناه, لكنه لا يقتضيه بهذا

ولا ذاك، فلم يكن الأمر على الفور.

أما أنه لا يقتضيه بلفظه: فلأن قول القائل لغيره: افعل كذا ليس فيه ذكر وقت متقدم ولا متأخر, وإنما يفيد إيقاع الفعل فقط, والمكلف إذا أوقع في أي وقت مقدما أو مؤخرا كان موقعا للفعل, ويعد ممتثلا للأمر, فجرى هذا مجرى قوله: افعل في أي وقت شئت, وبهذا ينتفي اقتضاء الفور لفظا.

وأما أنه لا يقتضيه بمعناه: فلأن ذلك لا يتم إلا إذا قلنا: إن الأمر يفيد الوجوب, ولا يتم الوجوب مع جواز التأخير, وهذا لا يصح؛ لأن الفعل قد يجب وإن كان المكلف مخيرا بين إيقاعه في أول الوقت وفيما بعده ما لم يغلب على ظنه فواته.

أجاب عنهم القائلون بالفور: بأنا قد بينا أنه يقتضيه بلفظه ومعناه في أدلتنا السابقة، ثم نتكلم على ما دل به فنقول: إن قوله "افعل" ليس فيه ذكر الوقت إلا أنه يجب على الفور قياسا على النهى.

الدليل الثاني: أن الأمر المطلق جاء للفور وجاء للتراخي، فلا يثبت الفور إلا بالقرينة وحيث جاء الأمر مطلقا ولا قرينة ثبت التراخي؛ لضرورة عدم قرينة الفور, لا بدلالة الأمر.

أجيب عنهم: بأن للمعارض أن يقول: جاء هذا الأمـر للفور وللتراخي, فلا يثبـت التراخي إلا بقرينة, وحيث لا قرينة ثبت الفور ([16]).

الدليل الثالث: استدلوا بالقياس, فقالوا: إن الامتثال في الأمر كالبر في اليمين, فلو قال: والله لأفعلن كذا، كان بارا, أي: وقت فعله، فكذلك إذا فعل المأمور به يكون ممتثلا في أي وقت فعله.

أجيب عنهم: بأن ما استدللتم به قياس مع الفارق, ووجه ذلك: أن البر في اليمين لا يشبه مسألتنا لأن الحالف مخير بين أن يفعل فيبر, أو لا يفعل فيكفر، أما في الأمر فلا يخير المأمور بين الفعل وتركه رأسا فافترقا([17]).

4/ أدلة القائلين بالتوقف لأنه مشترك بينهما:

فقالوا: إن الأمر قد استعمل في لسان الشرع على الوجـــهين, أي: الفور والتراخي, والأصل في الاستعمال الحقيقة، فكان لفظ الأمر حقيقة فيهما على أنه موضوع لكل منهما فنتوقف.

أجيب عنهم: بأنه لا يصح أن يقال: إن اللفظ قد وضع لكل منهما؛ لأن هذا قد يوجب تعددا في الوضع, وهو خلاف الأصل، فوجب أن يكون حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ما يعرف بالاشتراك المعنوي؛ إذ إنه خير من الاشتراك اللفظي ومن المجاز([18]).

الترجيـــــــــــح:

لعل الراجح في المسألة هو مذهب القائلين بأن الأمر يكون لمطلق الطلب من غير تقييد بفور ولا تراخ, لعدم وجود دليل قوى يجعل هذا الأمر للفور, أو يجعله للتراخي, وأن جعله لمطلق الطلب خير من جعله مشتركا لفظيا بين الفور والتراخي، أو جعله حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر, لكون الاشتراك اللفظي والمجاز خلاف الأصل، فكان مطلق الطلب, وهو الاشتراك المعنوي أولى.

فائدة:

هل الأمر المعلق بالفاء يقتضي الفور أو التراخي: ذكر الزركشي أن في المسألة قولين:

أحدهما: أنه على الفور، لأن الفاء للتعقيب.

الثاني: أنه لا يقتضيه. والصحيح هو الأول؛ للإجماع على أن "الفاء" تفيد التعقيب، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ] إذا قمــتم إلى الصلاة فاغسلوا [ (المائدة: 6)، وقوله سبحانه: ]إذا قيل لكم تفسحوا في المجـالس فافسحوا [ (المجادلة: 11)، وقوله عز وجل: ] إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صـدقة [ (المجادلة: 12), وقوله تعالى: ] إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [ (الطلاق: 1).







[1]- الإبهاج 2/57 ، شرح التلويح على التوضيح 1/202 ، البحر المحيط 2/396 ، فواتح الرحموت 1/387 ، إرشاد الفحول 1/309 .


[2]- انظر : شرح الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع للإمام جلال الدين السيوطي 1/414.


[3]- البحر المحيط 2/396 ، تيسير التحرير 1/356 ، فواتح الرحموت 1/386 ، إرشاد الفحول 1/309 .


[4]- انظر : المستصفى 2/9 ، المحصول 1/321 ، الإحكام 2/306 ، شرح العضد 2/83 ، نهاية السول 2/44 , البرهان 1/168.


[5]- شرح تنقيح الفصول صـ 105 ، روضة الناظر لابن قدامة 2/ 86 ، شرح الكوكب المنير 3/48 .


[6]- انظر: شرح إفاضة الأنوار على متن المنار للشيخ محمد علاء الدين الحصني صـ 54 .

جج


[7]- الإحكام لابن حزم الظاهري 3/411 .


[8]- أصول السرخسي 1/26 ، إفاضة الأنوار على متن المنار للحصني صـ 54 ، كشف الأسرار عن أصول البزدوي 1/316 .


[9]- الإحكام للآمدي 2/306 ، المعتمد 1/111 .


[10]- البرهان لإمام الحرمين 1/177 .


[11]- الإحكام للآمدي 2/306 ، نهاية الوصول في دراية الأصول 3/954 ، البحر المحيط 2/399 .


[12]- المحصول للرازي 1/321 ، الإحكام للآمدي 2/307 ، الإبهاج لابن السبكي 2/59.


[13]- المحصول 1/322 ، الإحكام للآمدى 2/309 .


[14]- انظر : المحصول 1/322 ، الإحكام للآمدي 2/309 ، تيسير التحرير 1/358 ، إرشاد الفحول 1/311.


[15]- التمهيد للكلوذاني 1/220 ، المحصول 1/324 ، الإحكام للآمدي 2/307 – 309 .


[16]- التلويح على التوضيح لمتن التنقيح 1/202 .


[17]- التبصرة صـ 53 ، التمهيد للكلوذاني 1/235 .


[18]- نهاية الوصول للهندي 3/965 ، الإبهاج 2/59 .

[/b]

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: رد: الأمر: تعريفه، صيغه، دلالته   الخميس 17 يناير 2013 - 7:18



القاعدة الثانية: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده.

الضدان: أمران لا يجتمعان أي لا يمكن أن يوجدا في آن واحد لكن قد يرتفعان معا، مثال ذلك: القيام والقعود، فهذان ضدان لا يمكن أن يجتمعا لكن في حالة الاضطجاع نجد أنه لا يوجد قيام و لا قعود فقد ارتفع الضدان.

وأما النقيضان هما ضدان لكن لا يمكن أن يرتفعا معا أي لا بد أن يوجد أحدهما لكنهما لا يجتمعان إذن النقيضان لا يجتمعان معا ولا يرتفعان معا.مثال ذلك قول الله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول(، فالأول أمر بإقامة الصلاة نهي عن تركها.

أولا: تحرير محل النزاع :
1/ اتفق العلماء على أن المأمور به إذا لم يكن معينا، كخصال الكفارة مثلا، أنه لا يكون نهيا عن واحد منها فليس الأمر بإعتاق رقبة مثلا نهي عن إطعام عشرة مساكين .
2/ اتفق العلماء على أنه إذا كان للمأمور به ضد واحد، أن الأمر في تلك الحالة يكون نهياً عن ضده ؛ إذا لا يمكن عقلاً أن يفعل المأمور به إلا بالانتهاء عن غيره .
3/ ذكر بعض الأصوليين الاتفاق على أنه إذا كان الأمر من باب الواجب الموسع، فإنه لا يكون نهيا عن ضده، بمعنى أنهم يجعلون الخلاف في الواجب المضيق فقط .
ثانيا: سبب الخلاف :
يرجع سبب الخلاف في المسألة إلى أمور :
1/ مسألة عقدية وهي كلام الله تبارك وتعالى :فالأشاعرة يثبتون الكلام النفساني فقط ومن ثم فهم يرون أنه لا صيغة للأمر، وبناء على ذلك جعلوا دلالة الأمر بالشيء نهي عن ضده من قبيل اللفظ .والمعتزلة بناء على قولهم في صفة الكلام قالوا: لابد من إرادة الآمر في تحقيق الأمر، وبناء على ذلك قالوا: لا يكون الأمر بالشيء نهي عن ضده باللفظ .
2/ أن الآمر بالفعل قد لا يكون مقصوده اللوازم ولا ترك الضد، ولهذا إذا عاقب المكلف لا يعاقبه إلا على ترك المأمور فقط لا يعاقبه على ترك لوازمه وفعل ضده .
3/ جواز التكليف بما لا يطاق، فمن يرى جوازه يقول: يمكنه فعل المأمور به وضده، فيجوز تكليفه به دون أن ينهى عن الضد .
ثالثا: مذاهب العلماء في المسألة:

اختلف العلماء في مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ فيما سوى المذكور في تحرير محل النزاع على عدة أقوال، أشهرها قولان :
القول الأول: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وبهذا قال جمهور الأصوليين من الحنفية والمالكية والحنابلة والظاهرية وجمهور الشافعية كأبي اسحق الشيرازي والفخر الرازي والآمدي وابن برهان وبه قال المعتزلة .
ثم اختلف هؤلاء هل الأمر بالشيء نهي عن ضده من جهة اللفظ أو المعنى على قولين :
الأول: أنه من جهة اللفظ وهو قول الأشاعرة .
الثاني: أنه من جهة المعنى وهو قول الجمهور .
القول الثاني: أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، وبه قال إمام الحرمين الجويني وتلميذاه الغزالي وإلكيا الهراسي الطبري والنووي وابن الحاجب من المالكية وهو قول قدماء المعتزلة.

رابعا: الأدلــــــــــــــة:

1/ أدلة القول الأول أن الأمر بالشيء نهي عن ضده :
الأول: أن ضد المأمور به إما أن يكون مأمورا به أو منهيا عنه أو مباحا .فلا يصح أن يكون مأمورا به ؛ لأنه لا يصح الأمر بالضدين لاستحالة الجمع بينهما .ولا يصح أن يكون مباحا وإلا لجاز له فعل الضد، ويفضي جواز فعل المأمور به إلى جواز ترك المأمور به لاستحالة الجمع بين الضدين .فإذا فعل ضد ما أمر به فقد ترك المأمور به لكن ترك المأمور به لا يجوز ففعل ضده لا يجوز .
الثاني: أنه لا يمكنه فعل المأمور به إلا بترك الضد، فوجب أن يكون الأمر يتضمن النهي عن ضده، ألا ترى أنه لما لم يمكنه فعل الصلاة إلا بما يتوصل به إليها كالطهارة واستقبال القبلة واستقاء الماء وغير ذلك، كان الأمر بالصلاة متضمنا للأمر بكل ما يتوصل به إليها كذلك ههنا .
الثالث: أن الأمر بالشيء عندهم _ أي المعتزلة _ يقتضي إرادة المأمور به وحسنه وإرادة الشيء وحسنه يقتضي كراهية ضده وقبحه وذلك يقتضي تحريمه فيجب أن يكون الأمر بالشيء تحريما لضده .
الرابع: أن السيد إذا قال لعبده: قم فقعد استحق الذم والتوبيخ، ولو لم يكن الأمر بالقيام يقتضي النهي عن ضده، لما جاز لومه وتوبيخه على القعود .
2/ أدلة القول الثاني: أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده :
الأول: أن الآمر بالشيء قد يكون غافلا عن ضده، والنهي عن الشيء مشروط بالشعور به، فالآمر بالشيء حال غفلته عن ضد ذلك الشيء يمتنع أن يكون ناهيا عن ذلك الضد فضلا عن أن يقال هذا الأمر نفس ذلك النهي .
وأجيب عنه بثلاثة أجوبة :
أ/ لا نسلم أنه يصح منه إيجاب الشيء عند الغفلة عن الإخلال به، وذلك لأن الوجوب ماهية مركبة من قيدين أحدهما المنع من الترك، فالمتصور للإيجاب متصور للمنع من الترك فيكون متصورا للترك لا محالة، وأما الضد الذي هو المعنى الوجودي المنافي فقد يكون مغفولا عنه ولكنه لا ينافي الشيء لماهيته، بل لكونه مستلزما عدم ذلك الشيء فالمنافاة بالذات ليست إلا بين وجود الشيء وعدمه .وأما المنافاة بين الضدين فهي بالعرض فلا جرم عندنا الأمر بالشيء نهي عن الإخلال به بالذات ونهي عن أضداده الوجودية بالعرض والتبع .
ب/ سلمنا أن الترك قد يكون مغفولا عنه لكن كما أن الأمر بالصلاة أمر بمقدمتها وإن كانت تلك المقدمة قد تكون مغفولا عنها فلم لا يجوز أن كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده وإن كان ذلك الضد مغفولا عنه .
ج/ سلمنا كل ما ذكرتموه لكن لم لا يجوز أن يقال الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده بشرط أن لا يكون الآخر آمرا بما لا يطاق وبشرط أن لا يكون غافلا عن الضد ولا استبعاد في أن يستلزم شيء شيئا عند حصول شرط خاص وأن لا يستلزمه عند عدم ذلك الشرط .
الثاني: إن الأمر بالمحال جائز فلا استبعاد في أن يأمر جزما بالوجود وبالعدم معا .
وأجيب عنه: لو سلم أنه جائز لكن لا تتقرر ماهية الإيجاب في الفعل إلا عند تصور المنع من تركه، فكان اللفظ الدال على الإيجاب دالا على المنع من الإخلال به ضمنا .
الثالث: أن صيغة الأمر خلاف صيغة النهي فلا يجوز أن يكون لفظ أحدهما مقتضيا للآخر.
وأجيب عنه: أن هذا إنما يمتنع، لو قلنا: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق اللفظ وأما إذا قلنا: إنه نهي من طريق المعنى لم يمتنع، ألا ترى أن لفظ الأمر بالصلاة خلاف لفظ الأمر بالطهارة من طريق اللفظ ثم الأمر بالصلاة يتضمن الأمر بالطهارة من طريق المعنى كذلك ههنا .
الرابع: أن الأمر والنهي متضادان كتضاد العلم والجهل، ثم العلم بالشيء لا يكون جهلا بضده، كذلك الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده .
وأجيب عنه: بأن العلم بالشيء لا ينافي العلم بضده، والأمر بالشيء ينافي الأمر بضده، ألا ترى أنه يجوز أن يكون عالما بكل واحد منهما، وليس كذلك الأمر فإنه ينافي فعل ضده، ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون فاعلا للمأمور به إلا بترك ضده فدل على الفرق بينهما.
الخامس: أن النهي عن الشيء ليس بأمر بضده، وكذلك الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضده.
وأجيب عنه: أنا لا نسلم هذا بل هو أمر بضده، فإن كان له ضد واحد فهو أمر به، وإن كان له أضداد فهو أمر بضد من أضداده فلا فرق بينهما .
الترجيـــح :
الراجح في المسالة أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، لكن من جهة المعنى لا من جهة اللفظ وذلك لقوة ما استدلوا به .
خامسا: ثمرة الخلاف :
من ثمرات الخلاف في المسالة ما يلي :

1/ إذا قال لزوجته وهي جالسة: لا تقومي وإلا فأنت طالق فاضطجعت.هل يقع الطلاق؟ الجواب: من قال: إن الأمر بالجلوس يستلزم النهي عن ضده أو أضداده. يقول: يقع الطلاق. ومن قال: لا، قال: لا يقع.
2/ ما لو سرق المصلى في صلاته أو لبس حريراً أو نظر محرما، فعلى أن الأمر بالشيء نهى عن ضده فيكون الأمر بالصلاة هو عين النهى عن السرقة، مثلا فتبطل الصلاة، بناء على أن النهى يستلزم الفساد، فعين السرقة منهي عنها في الصلاة بنفس الأمر بالصلاة، فعلى أن النهى يقتضى الفساد فالصلاة باطلة.

هذا، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه والتابعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

********

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
ARSHAK7000



ذكر العمر : 40
تاريخ الميلاد : 21/10/1976
عدد المساهمات : 2

مُساهمةموضوع: رد: الأمر: تعريفه، صيغه، دلالته   الجمعة 13 سبتمبر 2013 - 19:19

بارك الله فيك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الأمر: تعريفه، صيغه، دلالته
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الشيخ الدكتور مبارك المصري النظيف :: المنتديات :: منتدى أصول الفقه-
انتقل الى: