موقع الشيخ الدكتور مبارك المصري النظيف
موقع الشيخ الدكتور مبارك المصري النظيف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي الكريم إن كنتَ زائراً فأهلا بكَ في موقعك المتميز .. ونأمل منك التسجيل معنا ومشاركتنا . وإن كنت عضواً .. فتفضل بتسجيل الدخول.
سائلين الله لك دوام الصحة والعافية.

موقع الشيخ الدكتور مبارك المصري النظيف

موقع إسلامي يهدف إلى تحقيق التواصل بين الأحبة وإقامة المشاركات البحثية المتعلقة بالقضايا التأصيلية
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول
فحلول ذكرى المولد كل سنة، يحمل لأمة الإسلام معنى التجديد في حياتها وسلوكها ويستحثها على مراجعة سيرتها وأخلاقها على هدى القرآن والسنة، تحقيقا للمعنى القرآني العظيم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾. لذا ينبغي أن نعبر في مولد الرسول حقيقة، عن حبنا العظيم له، ونؤكد هذه المحبة و نجددها وندعمها بالبراهين والأعمال المثبتة لها، ذلك لأن المحبة تقتضي الإتباع، وهذا يعني الاقتداء والتأسي بالرسول، باتخاذه المثل الأعلى للمسلم، في حياته كلها، أقوالا وأعمالا، سيرة و سلوكا. إن أعظم احتفال بذكرى المولد، يتمثل في الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم بتحقيق رسالته والتشبث بها، وتطبيق أركان الإسلام ومبادئه، والسير على نهجه وسنته، وإحياء معالمه وقيمه ومبادئه، والتقيد بأوامره و نواهيه وتوجيهاته في حياتنا وسلوكنا، كي يطبع النهج العملي للإسلام أعمالنا، في البيت، والمدرسة، والمحكمة، والشارع وفي سائر مرافقنا، حتى يصبح دين الله هو الغالب وشريعته هي المطبقة والحاكمة والهادية، كما كان الأمر أيام الرسول، وعلى عهد صحابته و تابعيهم، حتى نجعل من الرسول النموذج الأرفع، والمثل الكامل للمسلم الحق، المتشبث بدينه الداعي إليه، المطبق له، العامل به، والذي جعل من سيرته تطبيقا عمليا للإسلام، وتفسيرا حقيقيا للقرآن. لقد حقق الرسول بسيرته و هديه، مبادئ الإسلام و مثله العليا، وجعلها آية في الأرض، لتكون نبراسا لنا و العالمين، وضياء و نورا للناس أجمعين، وجاهد وصابر حتى أصبحت كلمة الله هي العليا، وغدا الحق والخير والعدل سلوك المسلمين ومبادئهم، فأصبحت بذلك المعجزة تابعة للإيمان، بعد أن كان الإيمان تابعا لها، وخلصت النبوة لمهمتها الكبرى، وهي هداية الضمير الإنساني في تمام وعيه، وكمال إدراكه، تحقيقا لإرادة الله، وذلك هو ما جعل من الأمة الإسلامية في فترة وجيزة، أمة مؤمنة، موحدة قوية، متحدة، استطاعت أن تقلب وجه التاريخ، وتقضي على الجهل والعبودية والتفرقة و الظلم، وتكون خير أمة أخرجت للناس. إذا كانت حياة الرسول، وسلوكه، وأخلاقه، ومعجزاته، أنارت عقول العلماء والباحثين، وهدت كثيرا من الحكماء والمفكرين إلى الحق والإيمان، أفلا يحق لنا ونحن نحيي ذكرى مولده الشريف أن نكون أحق وأولى بالإتباع والاقتداء؟ فنتأسى بسيرته ونقتدي بسلوكه ونتخلق بأخلاقه، فنحيي السنن، و نميت البدع، وننبذ الضلالات و السفاهات التي طغت على مجتمعاتنا، و على حياتنا، ولنعتز بالإسلام كما اعتز به الأولون، فقادوا و سادوا، وحققوا المعجزات، وفتحوا الفتوح، ولنجعل من الرسول مثلنا الأعلى، وقدوتنا الأولى، ورائدنا الأكبر
المواضيع الأخيرة
» كلنا فلسطين
الأحد 25 أكتوبر 2015 - 16:50 من طرف Admin

» الدكتور مبارك المصري النظيف يشارك في الندوة الدولية للقاضي أبي الوليد الباجي
الخميس 28 أغسطس 2014 - 21:45 من طرف Admin

» كيف نحتفي بمولد رسول الله (رؤية تأصيلية).
الأحد 5 يناير 2014 - 5:57 من طرف Admin

» مؤتمر التدبر
الخميس 24 أكتوبر 2013 - 6:11 من طرف Admin

» المحاضرات في مادة "أصول الفقه"
الجمعة 13 سبتمبر 2013 - 19:24 من طرف ARSHAK7000

» الأمر: تعريفه، صيغه، دلالته
الجمعة 13 سبتمبر 2013 - 19:19 من طرف ARSHAK7000

» النهي: تعريفه، صيغه، دلالته
الخميس 17 يناير 2013 - 6:53 من طرف Admin

» موقع إعداد مدرس المستقبل
الجمعة 12 أكتوبر 2012 - 9:00 من طرف Admin

» فقه النوازل ( 6 )
الخميس 4 أكتوبر 2012 - 21:41 من طرف راجية الله

آخر الأخبار
أشكر الله سبحانه وتعالى ، وأهيب بالأخوة طلاب الدراسات العليا ، الذين كان لهم الشرف بانتسابهم لجامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم ، نرحب بهم كل الترحاب والموقع بجميع منتدياته يسعهم ولهم فيه كل ما يطلبون من اقتراحات مواضيع تصلح للبحث ، كما سنأمل من الباحثين إثراء هذا الموقع بإسهاماتهم وتعليقاتهم ، ونشرهم وتواصلهم عبر هذا الموقع ، وتقبلوا شكري مع أطيب المنى.
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
عناوين لمواضيع فقهية يمكن الكتابة والبحث فيها
أثر التغيرات البيئية في أحكام العبادات الشرعية دراسة فقهية مقارنة قوادح النسب في ضوء علم الوراثة المعاصر الآثار الضارة للتطور التكنولوجي على حق الإنسان في سلامة جسده زواج الصغار في ضوء تحديد سن الزواج ألعاب القوى في الفقه الإسلامي الأمن وأثره على تصرفات الجاسوس المسلم فوات محل القصاص في الفقه الإسلامي المسابقات التجارية في الفقه الإسلامي وتطبيقاتها المعاصرة الوصية الواجبة [دراسة فقهية مقارنة] أثر سقوط العذرة والبكارة على الزواج الجريمة الاعلامية في الفقه الاسلامي العلاج الجيني للخلايا البشرية في الفقه الاسلامي حق الزوجة المالي الثابت بالزواج وانتهائه التعديل الجراحي في جسم الإنسان - دراسة فقهية مقارنة أثر الأمراض الوراثية على الحياة الزوجية - دراسة فقهية مقارنة جرائم التخويف في الفقه الإسلامي العقود الآجلة في الاقتصاد الإسلامي البديل جرائم الحاسب الآلي في الفقه الاسلامي أحكام البيئة في الفقه الإسلامي أحكام الغصب وصوره المعاصرة في الفقه الإسلامي جزاءات وضمانات عقد التوريد في الفقه الإسلامي سلطة الولي على مال القاصرين في ضوء الواقع المعاصر سقوط القصاص في الشريعة الإسلامية دراسة مقارنة أحكام الوصية بالمنفعة في الفقه الإسلامي أحكام الأعمى في الأحوال الشخصية - الزواج والطلاق أحكام التفويض في الطلاق في الفقه الإسلامي - دراسة فقهية مقارنة أحكام عقود الإذعان في الفقه الإسلامي العاقلة وبدائلها المعاصرة في الفقه الإسلامي الجودة والرداءة وأثرهما على أحكام المعاملات أحكام المسن في العبادات حقوق الله بين الإسقاط وعدمه في الفقه الإسلامي القصاص والتعازير في الشجاج والجروح بين الأطفال ضمان السير في الفقه الإسلامي - دراسة فقهية مقارنة بالقانون المعمول قطاع غزة العجز وأثره على المعاملات المالية في الفقه الإسلامية الأحكام الشرعية للإضرابات في المهن الإنسانية أثر وسائل النقل الحديثة على سفر المرأة دور المرأة في المجال الإعلامي المعاصر في الفقه الإسلامي تقييد الزواج بالمصلحة الشرعية أحكام التحالفات السياسية في ضوء الواقع المعاصر أحكام الصرف الالكتروني في الفقه الإسلامي صور التدليس المعاصرة في عقود الزواج دراسة فقهية مقارنة حقوق الله بين الإسقاط وعدمه في الفقه الإسلامي أحكام إشارة الأخرس في الأحوال الشخصية والحدود والمعاملات وبيان وفق مقاصد الشريعة أثر المرض النفسي في رفع المسئولية الجنائية في الفقه الإسلامي ميراث الخنثى في ضوء الحقائق العلمية المعاصرة وتطبيقاتها في الشرعية في قطاع غزة "موانع الميراث في الشريعة الإسلامية وتطبيقاته في المحاكم الشرعية غزة" الضمانات القضائية للمتخاصمين في المحاكم الشرعية في قطاع غزة الممنوعون من النفقة في الفقه الإسلامي وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية قطاع غزة "موانع القضاء في الفقه الإسلامي" شهادة النساء على دعاوي النفقات وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية في جواب المدعى عليه على الدعوى وتطبيقاته في المحاكم الشرعية في قطاع الاختصاص الوظيفي والمكاني للمحاكم الشرعية في قطاع غزة الدفوع وأثرها في الدعاوي القضائية وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية الدعاوى غير المنصوص عليها في قانون الأحوال الشخصية المعمول المحاكم الشرعية التفريق بين الزوجين بسبب الردة وإباء الإسلام وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية في قطاع غزة الإفتاء في قطاع غزة ودور الشيخ قوصة فيه المنازعة على أرض الوقف وتطبيقاتها في المحاكم الشرعية بقطاع
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
مجمع شعاع النور الإسلامي وآخر التطورات
يهنئ مجمع شعاع النور الإسلامي الأمة الإسلامية جمعاء في مشارق الأرض ومغاربها ، بحلول شهر الله المحرم رجب الخير المبارك ، أعاده الله علينا بالخير واليمن والبركات ، والشعب المسلم أكثر أمنا وسلامة ، وكل عام وأنتم بخير ،،،،،،
آخر أخبار جامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم
بشرى سارة لمتصفحي الشبكة العنكبوتية باطلاق موقع جامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم ، الموقع الرسمي للجامعة الذي يضم جميع كليات الجامعة ومناشطها المتعددة ، وأنا أهيب بالقائمين بإعداده ، وأسأل الله التوفيق للجميع . نحن على أبواب امتحانات الفصول الدراسية 2/4/6/8 للعام الجامعي 2011 - 2012م ، لطلاب البكالريوس قسم الفقه وأصوله بكلية الشريعة يقيم دورة الداعيات بمركز الطالبات بودمدني والمحاضرات مستمرة كل يوم سبت من كل أسبوع.
الأستاذ الجامعي والبحوث العلمية
يعتبر البحث العلمي في مؤسسات التعليم العالي من جامعات ومعاهد عليا متخصصة مطلباً أساسياً للتميز في أي حقل من حقول الدراسة المتخصصة في مجالات العلوم المختلفة ولاسيما العلوم الطبيعية والتطبيقية، ولقد تمكنت كثير من جامعات العالم من تحقيق درجات عالية من التميز والريادة في مجالات محددة من مجالات البحث العلمي، بل وتحرص على استمرار هذا التميز والريادة في تلك المجالات من خلال باحثين متميزين يكون معظمهم من أعضاء هيئة التدريس الباحثين حتى تتحقق الفائدة التبادلية بين التعليم الجامعي والبحث العلمي. ونظراً لأهمية الدور الأساس الذي يمكن لعضو هيئة التدريس الجامعي الباحث القيام به في مجال البحوث المتخصصة ينبغي إيجاد صيغة فاعلة ومناسبة لتقنين عملية تقويم الجهود البحثية كافة وإيجاد الحوافز التي تدفع إلى التميز الحقيقي والريادة والحرص على الاستمرار في عملية البحث العلمي المتواصل والمترابط في مجالات محددة من خلال تخطيط بعيد المدى. لهذا الغرض فإن هذه الورقة تقدم استعراضاً موجزاً لمكونات النشاط البحثي المتعارف عليه حالياً في جامعة من جامعات المملكة العربية السعودية بالإضافة إلى دراسة بعض وسائل توجيه وتقويم النشاط البحثي وتحليل مدى فاعليتها في تحقيق التميز والريادة المرجوة. ثم تقدم صيغة مقترحة بديلة يرجى من تطبيقها - في توجيه النشاط البحثي للأستاذ الجامعي - تحقيق درجات عليا من التميز والريادة التخصصية الدقيقة في مجالات محددة من البحث العلمي. وتتميز الصيغة المقترحة في هذه الورقة بتأكيدها على استمرار وترابط البحوث العلمية لكل باحث ولكل جماعة بحثية في مؤسسات التعليم العالي والتأكيد على ضرورة إيجاد الحوافز المناسبة لجذب الباحثين المساعدين المتميزين. ومن أجل ضمان تنشيط عملية البحوث العلمية المتميزة واستمرارها تؤكد الورقة على: 1- ضرورة الاستفادة القصوى من الباحثين المساعدين المتميزين بدءاً من تحسين عملية اختيارهم وتطوير قدراتهم البحثية إلى تحسين وتقنين عملية انخراطهم في مجالات بحثية معينة تدعم الجهود البحثية للأساتذة الباحثين من خلال خطة بحثية بعيدة المدى، وإيجاد الآليات التي تضمن استمرار الاستفادة من القدرات البحثية للمتميزين منهم في دعم عملية البحث العلمي. 2- ضرورة تنشيط حركة تأليف الكتب الدراسية وترجمتها من خلال خطة مرحلية تعد بناء على أولويات واحتياجات الأقسام الأكاديمية. 3- ضرورة إنشاء دور نشر علمية متخصصة يكون دورها المبادرة والمساهمة في دفع حركة التأليف والترجمة بحيث يستفاد فيها من الطاقات الإبداعية للأساتذة المتخصصين لتنفيذ مشاريع تأليف وترجمة تكون معتمدة في خطط بعيدة المدى تعدها مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي. 4- نتيجة للنمو المتسارع لحركة العلوم والمعارف الإنسانية في شتى المجالات يلاحظ الدارس لتطوير التعليم العالي في هذا القرن تعدد مسميات وأنشطة مؤسسات هذا التعليم. فمن هذه المؤسسات الجامعات والمعاهد العليا المتخصصة في العلوم والتقنية ومراكز البحوث العلمية المختلفة. ومع هذا التعدد يرجى دائماً أن تكون المحصلة النهائية من أنشطة هذه المؤسسات إثراء المعرفة الإنسانية في المجالات كافة ومنها مجالات العلوم الطبيعية والتطبيقية التي يمكن من خلالها تفعيل عملية الاستغلال الأمثل للبيئة المحيطة أو محاولة التغلب على بعض المشكلات التي تطرأ مثل المشكلات البيئية والصحية، إلا أن تحقيق الأهداف المرجوة من هذه المؤسسات تستلزم عدة أمور منها: 1- وجود خطط مشاريع بحثية بعيدة المدى. 2- وجود باحثين متميزين. 3- تقديم الدعم اللازم. 4- وجود آليات متابعة وتقويم دقيقة. ونظراً لأهمية الدور الذي ينبغي أن يضطلع به عضو هيئة التدريس الجامعي من أجل تحقيق أهداف مؤسسات التعليم العالي لابد من وجود صيغة واضحة لتحديد القدرات البحثية لكل عضو هيئة تدريس، ومن ثم العمل على الاستفادة المثلى من تلك القدرات وقد يكون ذلك من خلال عمل فردي مستمر ومترابط أو من خلال جماعات بحث متخصصة تعمل لتحقيق نتائج بحثية محددة في إطار زمني معين. إن كل مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي تطمح إلى التميز فيما تقدمه من معارف والريادة فيما تحققه من نتائج بحثية، ولكن يبقى تحقيق الريادة في مجالات البحوث المتخصصة أمراً عسير المنال في أغلب الأحيان، وذلك لأسباب كثيرة قد يكون في مقدمتها عدم وجود صيغة واضحة للأهداف التي ينبغي لأستاذ الجامعة الباحث تحقيقها بصورة متواصلة يرجى منها تحقيق التميز والريادة، ولذا وبالمقارنة مع بعض مؤسسات التعليم العالي المتميز في العالم، فإن غالبية مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في العالم العربي - وبعد مضي ما يقارب قرناً من بدء النهضة التعليمية - لم تحقق درجات مرضية من التميز أو الريادة البحثية في أي مجال من مجالات العلوم والمعارف الإنسانية وكان دورها في أغلب الأحيان مقصوراً على تحقيق الحد الأدنى من أهداف التعليم العالي من خلال تزويد طلابها بأساسيات المعرفة المتخصصة فقط دون إيجاد الآليات التي يمكن من خلالها تطوير تلك الأساسيات المعرفية لارتياد مجالات بحثية جديدة. ومع التأكيد على أهمية الاستمرار في الجهود المبذولة في عملية تزويد طلاب مؤسسات التعليم العالي بأساسيات المعرفة التخصصية، إلا أن عدم تحديد الأهداف بعيدة المدى لهذا التعليم قد تكون سبباً فاعلاً في انعدام المنفعة المتبادلة بين التعليم الجامعي ونتائج البحوث وانعدام الحافز لارتياد مجالات بحثية جديدة، وبالتالي فإن إمكانية تحقيق التميز والريادة لمؤسسات التعليم والبحث العلمي في حقل من حقول المعرفة المتخصصة قد تكون ضئيلة جداً. إن التميز والريادة الذي تحقق لكثير من مؤسسات التعليم العالي في العالم لم يتم من خلال التميز في عملية نقل العلوم الأساسية والمعارف فقط، بل من خلال التميز أيضاً في إجراء أبحاث محددة الأهداف ومتواصلة في فترات زمنية متعاقبة، ولذا ينبغي تفعيل آلية محددة لتنشيط البحث العلمي المتواصل والمتميز الذي يحقق أهدافاً بحثية يرجى منها تحقيق الريادة المتعارف عليها في مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي. ونظراً لأن المحرك الأساس لعملية البحث العلمي هو الأستاذ الجامعي الباحث، ونظراً لتعدد العوامل التي تؤثر في نوعية وأهداف نتاجه البحثي فعلى إدارات البحوث في مؤسسات التعليم العالي التأكيد على أهمية تحقيق التميز والريادة في مجالات البحوث المختلفة وذلك من خلال الاستغلال الأمثل لطاقات الباحثين في الأقسام المختلفة، بحيث يكون ذلك من خلال تحديد جماعات بحثية متخصصة حتى تنسجم طاقات الباحثين مع الأهداف المرسومة لسياسة البحث العلمي في حقول علمية محددة مع الحفاظ على تشكيل المجموعات البحثية لأطول فترة زمنية ممكنة لتحقيق الأهداف المرسومة، وتوفير قاعدة تبادل المعلومات التي تيسر للباحثين التعاون مع نظرائهم في مؤسسات التعليم الأخرى. وبعد تحديد الأهداف الأساسية للبحث العلمي يصبح وجود صيغة دقيقة لتقويم الأنشطة البحثية لأستاذ الجامعة الباحث أمراً ضرورياً ومحركاً فاعلاً لتنشيط البحوث العلمية المتميزة التي ينبغي أن تحقق التميز والريادة لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي. هذه الورقة تهدف إلى تحسين عملية تقويم الأداء البحثي للأستاذ الجامعي الباحث في مؤسسات التعليم العالي في المملكة العربية السعودية حتى يستطيع الإسهام بصورة فاعلة لتحقيق ما ترجوه هذه المؤسسات من تميز وريادة، ولهذا الغرض فإن الورقة: 1- تعرض بعض الصيغ التي قد اقترحت أو عمل بها سابقاً في تقويم جميع نشاطات الأستاذ الجامعي بما فيها نشاطه البحثي. 2- تقدم عرضاً تحليلياً عن مدى ملاءمة هذه الصيغ لتحقيق التميز والريادة في مجالات البحوث. 3- تخلص إلى تقديم بعض المقترحات التي يرجى من اعتمادها وتطبيقها في توجيه وتقويم النشاط البحثي للأستاذ الجامعي الباحث «في مؤسسات التعليم العالي» تنشيط البحث العلمي المتميز الذي يحقق التميز والريادة للباحثين في حقول علمية دقيقة ومتخصصة تتجاوز الحيز الضيق الذي غالباً ما يحيط بغالبية البحوث التطبيقية التي يتم اعتمادها وتنفيذها من خلال خطط قصيرة المدى. اللائحة الموحدة للبحث العلمي: انطلاقاً من أهمية الدور الذي ينبغي أن تضطلع به مؤسسات التعليم العالي في مجالات التنمية كافة قامت مؤخراً الأمانة العامة لمجلس التعليم العالي بإصدار اللائحة الموحدة للبحث العلمي في الجامعات وبدراسة هذه اللائحة نجد أنها مكونة من تسعة أبواب شملت جميع الجوانب التي تهم البحث العلمي جاءت كما يلي: 1- أهمية البحث العلمي. 2- أهداف البحث العلمي. 3- التنظيم الإداري للبحث العلمي. 4- أنواع البحوث ومصادر تمويلها، ومكافآت القائمين عليها. 5- جوائز البحث العلمي. 6- النشر العلمي. 7- أخلاقيات البحث العلمي. 8- المجلات العلمية. 9- أحكام عامة. إن محتويات هذه اللائحة تحمل أهمية بالغة وتعقد عليها آمال عريضة في تنظيم وتفعيل عملية البحث العلمي في شتى صوره، بل والدفع به إلى مجالات أرحب في مجالات البحوث الأساسية والتطبيقية على حد سواء. وحيث إن ما نحن بصدده في هذه الورقة هو محاولة استغلال مواد هذه اللائحة في تطوير صيغة جديدة لتوجيه النشاط البحثي للأستاذ الجامعي الباحث من أجل تحقيق التميز والريادة لمؤسسته في حقل تخصصه. يتضح من هذه المواد أهمية الدور الملقى على عاتق الأستاذ الجامعي الباحث وتعدد الأدوار التي يمكنه أداؤها من أجل تحقيق الأهداف العامة لسياسة البحث العلمي، إلا أن الصيغ المعمول بها في عملية تقويم ما يقوم به من أنشطة بحثية تبقى إلى حد كبير ميداناً واسعاً للاجتهاد حتى أصبح تكرار تبديل وتغيير هذه الصيغ أمراً مألوفاً في فترات زمنية قصيرة لايمكن الحصول منها على نتائج تدلل على فعالية أو عدم فاعلية تلك الصيغ في توجيه البحوث العلمية الأساسية والتطبيقية إلى الأهداف المنشودة في فترة زمنية محددة. ونظراً لأهمية وضوح واستقرار صيغ تقويم الأداء الأكاديمي والبحثي للأستاذ الجامعي نعرض لاحقاً صورتين من صيغ هذا التقويم؛ لكن قبل ذلك، وتمشياً مع أهداف هذه الورقة نقدم بعض الملحوظات حول مضامين هذه المواد. ملحوظات حول بعض مواد اللائحة الموحدة للبحث العلمي: وردت هذه اللائحة في تسع وخمسين مادة تنظيمية، ونرى أن هذه المواد في مجملها حددت الآليات المناسبة لتفعيل مناحي كثيرة من جوانب البحوث العلمية، لكن سنقصر الحديث هنا على المواد التي لها علاقة واضحة ومباشرة بموضوع هذه الورقة. وفيما يلي بعض الملحوظات: 1- يلاحظ أن غالبية فقرات المادة رقم (2) تركز على تحفيز الباحثين على إجراء البحوث الأصيلة والمبتكرة، الساعية إلى إثراء المعرفة المتخصصة، وبالتالي العمل على الارتقاء بالمستوى النوعي للدراسات العليا وتنمية أجيال جديدة من الباحثين المتميزين. وهذه أمور بطبيعة الحال قد تكون كفيلة (على المدى البعيد) بتحقيق التميز والريادة التخصصية. إلا إن احتواء فقرة خصوصاً حول تقديم المشورة العلمية وتطوير الحلول العلمية لحل بعض المشاكل التي تواجه المجتمع قد تدفع بأنشطة البحث العلمي إلى آفاق قد لا تتوافق مع الهدف الأساسي لمؤسسات التعليم العالي كمراكز عليا للبحث العلمي الدقيق المتخصص، حيث قد تصبح السمة الغالبة للبحوث والدراسات الجامعية هي خدمة المجتمع في أمور يمكن معالجتها من خلال مؤسسات أخرى متخصصة لا تضطلع بالمسؤوليات نفسها التي أنيطت بمؤسسات التعليم العالي. كما يلاحظ أيضاً عدم تحديد آلية دقيقة لجذب طلبة الدراسات العليا المتميزين الذين يمثلون العناصر الأساسية لبدء واستمرار البحوث العلمية وتحقيق الأهداف المرجوة من البحوث العلمية. 2- يلاحظ أن المادة رقم (17) وردت موجزة بصورة لا تتناسب مع أهمية البحوث العلمية للأستاذ الجامعي الباحث، ولاسيما أن كثيراً من هذه البحوث هي بحوث أساسية، وقد تكون أفضل السبل التي تدفع بمؤسسات التعليم العالي ومراكز البحوث إلى مراكز التميز والريادة. وهذا قد يوحي بعدم أهمية بعض البحوث التي يقوم بها بعض الباحثين بصورة مستمرة ولا تقع ضمن خطة البحوث المعتمدة. كما يلاحظ أيضاً عدم وضوح صور تقديم الخدمات اللازمة لإنجاز هذه البحوث التي يفترض أن يكون من ضمنها تعيين مساعد باحث أو أكثر للعمل مع كل أستاذ باحث نشط في تخصصه الدقيق من أجل ضمان الاستفادة من قدرات الباحثين ومساعديهم على حد سواء. 3- هناك ترابط وثيق بين عناصر المواد رقم (22، 31، 42) ويلاحظ أنها تحفز إلى الاهتمام بالبحوث الأساسية والمبتكرة، إلا أن عدم احتواء اللائحة على توجيه بضرورة تحديد خطة بحثية يرغب في تحقيقها في فترة زمنية محددة قد يجعل من تفعيل بعض هذه المواد عرضة للاجتهاد من قبل الباحثين والمقيمين، وبالتالي فإن العملية البحثية قد لا تحقق الأهداف المرجوة منها كما ينبغي. 4- يلاحظ في المادة رقم (42) ومن خلال سياق تحديد الإنتاج المترجم إيراد عبارة «ذا جدوى علمية أو تطبيقية ملموسة» وهذا أيضاً قد يكون مجالاً خصباً لاجتهاد المقيمين، بل إن عدم تحديد المجالات التي ينبغي أن تحظى بأولية الدعم في فترة زمنية محددة قد تؤدي إلى وأد كثير من الجهود النافعة في هذا المجال. صيغ تقويم الأستاذ الجامعي الباحث: نظراً لتعدد الأدوار التي يرجى من الأستاذ الجامعي القيام بها في عدة مجالات ومنها: التعليم الجامعي كوسيلة لنقل أساسيات العلوم إلى الأجيال الناشئة. عملية البحوث الأساسية والتطبيقية. خدمة المجتمع. تتعدد أيضاً وسائل التقويم للجهود المبذولة لتحقيق هذه الأدوار. وحيث إن وسائل التقويم لا تخلو من الاجتهاد فيجب أن تخضع هذه الوسائل نفسها لعملية تقويم ودراسة دورية، تهدف إلى معرفة مدى معرفة فعاليتها في تحقيق الأهداف المرسومة «إن كانت محددة سلفاً بصورة جيدة!». ولا يمكن لذلك أن يتحقق إلا من خلال دراسات إحصائية مبنية على استخدام تلك الوسائل بصورة مستمرة لمدة زمنية بعيدة المدى ودون تغيير أو تبديل في المعايير المستخدمة في التقويم. ما يهمنا هنا هو النشاط البحثي للأستاذ الجامعي، وهل تصب نتائجه النهائية على المدى البعيد في إطار خطة بحثية محددة الأهداف تنشد التميز والريادة في حقل معرفي متخصص، أم أن هذا النشاط يخدم أهدافاً محددة في المنظور القريب، وقد تقل أو تنعدم سمة التواصل بين نتائج هذا النشاط، حيث نرى أن ما نشر من أبحاث أساسية -في معظم الجامعات العربية- تغلب عليه سمة عدم التواصل الذي ينبغي أن تتميز به البحوث العلمية، وهذا بلا شك أمر يدعو إلى القلق، ويشكل عائقاً أساسياً كانت محصلته الطبيعية عدم تحقيق معظم هذه الجامعات درجات مرضية من التميز والريادة التي ينبغي تحقيقها في مجالات تخصصاتها. ومع أن سمة عدم التواصل هذه قد تعزى إلى عوامل مختلفة ومتعددة، لكن يمكن القول بأن وجود أهداف واضحة ومحددة للبحوث في فترة زمنية معينة، وكذلك وجود وسائل دقيقة لتقويم النشاط البحثي للأستاذ الجامعي الباحث «وهو المحرك الأساسي لكافة الجهود» كفيل بضمان ذلك التواصل المطلوب. ولأهمية هذه الوسائل نقدم صيغتين لهذا الغرض: إحداهما عمل بها فعلاً في إحدى كليات جامعة الملك فهد للبترول والمعادن «انظر الشكل رقم 1». والثانية طورت مؤخراً «انظر الشكل رقم 2»، لكنها حسب علم الباحث مازالت تحت الدراسة والتقويم، ويتوقع اعتمادها قريباً في إطار اللائحة الجديدة المنظمة لأنشطة التدريس والبحث وخدمة المجتمع التي يتوقع أن يقوم بها الأستاذ الجامعي. ونظراً لعلاقتها المباشرة بموضوع هذه الورقة نقتصر على عرض لائحة تنظيم النشاط البحثي للأستاذ الجامعي. ونقدم فيها يلي ملحوظات حول هاتين الصيغتين. أولاً: ملحوظات حول الصيغة الموضحة في الشكل رقم (1): لقد عُمل بهذه الصيغة حسب علم الباحث في بعض أقسام كلية العلوم الهندسية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن. وفيما يلي بعض الملحوظات التي نرى أنها تخدم أهداف موضوع هذه الورقة. 1- فصلت هذه الصيغة بين تعليم مواد الدراسات العليا والإشراف على بحوث طلاب الدراسات العليا وما ينشره الأستاذ الجامعي وبين مجال البحوث ولا تحتوى على معيار ربط يؤكد أهمية الترابط بين هذه الأنشطة. ونظراً لأهمية الارتباط الوثيق بين هذه الأنشطة وتلازمها مع أهداف أنشطة البحث العلمي فينبغي ضمها في مجموعة واحدة تؤكد أهمية دفعها لحركة البحث العلمي الهادف لتحقيق أهداف بحثية محددة في إطار زمني معين. 2- هذه الصيغة لا تميز بين الجهود المبذولة في تعليم مواد الدراسات العليا ومواد الدراسات الجامعية، وقد ينتج عن ذلك تساهل بعض الأساتذة الجامعيين في ربط تدريس مواد الدراسات العليا بالحركة المتسارعة للبحوث العلمية أو عدم الرغبة في تعليم تلك المواد ومتابعة الجديد فيها. 3- هذه الصيغة لا تضع حداً لعدد طلاب الدراسات العليا (مساعدي الباحثين) الذين يسمح للأستاذ الباحث بالإشراف عليهم خلال فترة زمنية محددة، ونظراً لأهمية هذا التحديد من أجل الدفع بالبحوث العلمية فينبغي تقنين توجيه مساعدي الباحثين من خلال تنظيم تتولى تطويره وتنفيذه إدارات البحث العلمي في مؤسسات التعليم العالي التي ترى أن دفع البحث العلمي إلى آفاق أوسع لا يتم إلا من خلال التخطيط الإداري السليم. 4- هذه الصيغة تغفل الجهود المبذولة في تطوير مقترحات بحثية مازالت تحت التقويم أو المراجعة. 5- تفتقر هذه الصيغة إلى بعض المعايير التقويمية الدقيقة والأساسية التالية: - مؤشر الأداء. - نسبة النشاط إلى كافة مجموع الأنشطة. - مقياس أولوية النشاط البحثي نسبة إلى بقية الأنشطة الأخرى. - ارتباط مجال البحث العلمي بخطة زمنية بعيدة المدى يعدها الأستاذ الباحث وتكون ضمن تخصصه الدقيق. وسنرى لاحقاً تعريفاً لهذه المعايير وكيفية استخدامها من أجل الحصول على صيغة جديدة لتقويم كافة الأنشطة بصورة عامة والنشاط البحثي بصورة خاصة. ثانياً: ملحوظات حول الصيغة الموضحة في الشكل رقم (2): تقع هذه الصيغة في الإطار العام للائحة المنظمة «المقترحة» لتقويم النشاط العام للأستاذ الجامعي، وقد صدرت عن وكالة الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن (الظهران) ومع علم الباحث بأن هذه الصيغة مازالت تحت الدراسة والمراجعة، وربما التعديل، إلا أن إيراد بعض الملحوظات حول محتويات هذه الصيغة يخدم أيضاً أهداف موضوع هذه الورقة، ومن هذه الملحوظات ما يلي: 1- يلاحظ أن هذه الصيغة قسمت مجموعة الأساتذة الجامعيين إلى ثلاثة أقسام: باحثين، غير باحثين، ومجموعة خاصة وتشمل الإداريين والأساتذة القدامى والمتفرغين علمياً. 2- يلاحظ أيضاً تأكيد هذه الصيغة على أهمية نشر البحوث في دورات علمية عالية المستوى وهذا أمر محمود، ولكن لم تحو هذه الصيغة في مجملها ما يؤكد أهمية استمرار وتواصل البحوث في مجالات علمية محددة وضمن سياسة عامة، تهدف إلى دفع البحث العلمي إلى التميز والريادة على المدى البعيد. 3- تفتقر هذه الصيغة إلى بعض المعايير العددية الدقيقة مثل: مؤشرات الأداء، نسبة النشاط إلى كافة مجموع الأنشطة، ومقياس أولوية النشاط البحثي نسبة إلى بقية الأنشطة الأخرى. 4- يلاحظ أيضاً عدم وجود تحديد دقيق لنوعية المشاريع التي تستحق الأولوية في الدعم على غيرها، ولا تحتوي هذه الصيغة على ما يدلل على أهمية إعداد الكتاب الجامعي المناسب بطريقتي التأليف والترجمة. 5- ورد في هذه الصيغة استخدام عبارة «التميز في البحث» ولم تورد هذه الصيغة تعريفاً دقيقاً يدفع بالباحثين إلى الحرص على التميز الحقيقي من خلال أبحاث أساسية تبنى على نتائج سابقة وتنطلق إلى آفاق جديدة. صيغة مقترحة لتنشيط التميز في البحث العلمي: إن كل مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي تطمح إلى التميز والريادة في كل علم من العلوم التي تختص فيها، إلا أن تحقيق تلك الطموحات قد يكون صعب المنال، حتى عند توفر الإمكانات المادية اللازمة، متى ما غاب تكامل الأمور الأربعة الأساسية التالية: - سياسة بحثية هادفة ومحددة. - أستاذ جامعي باحث متميز. - تنظيم دقيق لعملية دعم عملية البحوث. - وسائل تقويم عددية لتقويم أهداف البحوث الجارية والمقترحة ومدى تحقيق أهدافها في فترة زمنية محددة. ولذا ينبغي وجود التنظيم الإداري الذي يضمن وجود وتكامل هذه الأمور في كل الأوقات من أجل تحقيق الطموحات المرجوة من البحوث العلمية. إن مؤسسات التعليم العالي في عمومها تضطلع بمهام عديدة ومتنوعة يمكن إجمالها في عمليات التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع، لكن من المتعارف عليه جيداً في الأوساط العلمية أن تحقيق التميز والريادة لا يكون من خلال التعليم فقط أو من خدمة المجتمع فقط، بل يعتبر النشاط البحثي ونتائجه الموثقة في القنوات المعروفة هي الوسائل والمعايير العالمية الأساسية لهذا الغرض. ومع تعدد مجالات البحوث وتنوع صورها ، إلا أنها لابد أن تكون إما بحوثاً أساسية أو تطبيقية، ونظراً لمحدودية أهداف البحوث التطبيقية فإن البحوث الأساسية ونتائجها الموثقة تبقى أفضل وسيلة لتحقيق التميز والريادة التي يطمح إليها كل باحث، بل وكل مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي حتى ولو بعد فترة زمنية غير قصيرة. ولقد ذكرنا فيما سبق أن الصيغ المستخدمة لتقويم الأستاذ الجامعي يمكن أن تسهم بصورة فاعلة في تنشيط جهود الباحثين في كافة المجالات «من بحوث أساسية، تطبيقية، تأليف، ترجمة...إلخ» متى ما وضعت في صورة محددة وموجهة لتحقيق أهداف معينة- بناء على ما يتوفر من إمكانات وخبرات بحثية من خلال أعضاء هيئة التدريس الباحثين- شريطة أن تخضع هذه الصيغ للتقويم والدراسة اعتماداً على النتائج التي تتحقق في فترة زمنية معينة وبدون إغفال المتغيرات أو العوائق التي قد تطرأ. ولكي تكون هذه الصيغ فاعلة فلابد أن تعتمد على معايير تقويمية عددية دقيقة تأخذ في الاعتبار جميع المتغيرات التي قد تؤثر على نشاط الباحث. ولهذا الغرض فإن دراسة الملحوظات التي قدمت حول الصيغتين التقويميتين اللتين تم تطويرهما في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن يدلل على ضرورة تبني وسائل جديدة ودقيقة لتنشيط البحث العلمي الأساسي في جميع التخصصات في فروع العلوم الطبيعية والتطبيقية. ونظراً لأهمية استمرار البحوث العلمية في اتجاه معين ومحدد لفترة زمنية متواصلة- تفادياً لما قد يحصل من تنوع البحوث غير المترابطة من باحث واحد- ومن أجل تحقيق التميز والريادة في التخصصات الدقيقة لابد لأي صيغة توضع لتقويم نشاط الباحثين من أن تضع المعايير العددية المناسبة لهذا الغرض. ونقدم فيما يلي وصفاً موجزاً لصيغة عددية مقترحة لهذا الغرض، حيث تعرض الصيغة في جدولين متتاليين (جدول رقم 1، جدول رقم 2) بحيث تستخدم نتائج الجدول الأول في إكمال الجدول الثاني. وبالنظر إلى أهداف هذه الورقة يلاحظ في الجدول (رقم 1) أن هذه الصيغة تهدف إلى تنشيط عملية البحث العلمي المتميز من خلال تقسيم الأنشطة البحثية للأستاذ الجامعي في ثلاث مجموعات أساسية هي : 1- تدريس طلاب كلية الدراسات العليا والإشراف على بحوث عدد محدد منهم. 2- البحوث الأساسية. 3- البحوث التطبيقية والأوراق المقدمة في المؤتمرات العلمية وغيرها. ويلاحظ أيضاً من مكونات هذه الصيغة احتواؤها على تقويم عددي لكل المقومات الأساسية للنشاط البحثي للأستاذ الجامعي، كما احتوت على وسيلة لقياس أهمية النشاط البحثي ودرجة اكتماله ومدى تواصله وارتباطه مع الأنشطة السابقة للباحث؛ لما لهذا التواصل والترابط من أهمية بالغة في تحقيق التميز والريادة لأي جماعة بحثية (يرأسها باحث علمي متخصص) تعمل لتحقيق أهداف بحثية محددة في إطار زمني معين. أما الجدول (رقم 2) فيحتوي على ملخص كامل لتقويم جميع الأنشطة التي يتوقع أن يقوم بها الأستاذ الجامعي ومن ضمنها نشاطه البحثي، ولذا فإن إكمال الجدول (رقم 2) يعتمد على النتائج التي يحصل عليها من الجدول (رقم 1) كما يلاحظ هنا أن هذه الصيغة التقويمية تؤكد ضرورة فصل عملية تقويم النشاط البحثي للأساتذة الباحثين عن بقية الأنشطة الأخرى. ويرجى من هذا الفصل وضوح مجالات التميز والريادة في مجالات البحوث العلمية، وسهولة عملية تقويم درجة التميز من خلال دراسة تحقيق الأهداف التي يحددها الباحثون أنفسهم. خلاصة ومقترحات: انطلاقاًَ من حرص جميع مؤسسات التعليم العالي، ومنها الجامعات والمعاهد العليا ومراكز البحوث، إلى تحقيق التميز والريادة في كافة مجالات تخصصاتها، ونظراً لتعدد الأنشطة التي يتوقع من الأستاذ الجامعي القيام بها، ولكونه هو المحرك الفعلي لحركة البحوث العلمية بجميع أنواعها فإن على الجهات المسؤولة عن تنظيم أنشطة البحوث العلمية ما يلي: 1- وضع لائحة موحدة ومنظمة لأنشطة الباحثين «كل في مجال تخصصه الدقيق» على أن تحتوي هذه اللائحة على أهداف واضحة يرجى تحقيقها من خلال أنشطة الباحثين في فترة زمنية محددة. 2- توفير الدعم اللازم لكل باحث وضرورة توليه رئاسة جماعة بحثية في حقل تخصصه الدقيق يكون معظم أعضائها من طلبة الدراسات العليا (باحثين مساعدين متميزين) والعمل على إيجاد آليات جذب للطلبة المتميزين للالتحاق في برامج الدراسات العليا من أجل تحقيق الفائدة الحقيقية من برامج الدراسات العليا. وبالنظر إلى المسؤوليات الرئيسة التي أنيط بمؤسسات التعليم العالي تحقيقها (التدريس، البحوث، خدمة المجتمع) يجب الاعتراف بأن النشاط البحثي المترابط والمتواصل هو العامل الأساسي الذي ينبغي أن تعقد عليه الآمال لتحقيق التميز والريادة لأي جماعة بحثية في هذه المؤسسات. من هذا المنطلق تتضح أهمية استخدام صيغة دقيقة لتقويم نشاط الأستاذ الجامعي بصورة عامة وتقويم النشاط البحثي على وجه الخصوص. ولضمان فعالية هذه الصيغة لخدمة الأهداف المتوخاة من البحث العلمي ينبغي احتواؤها على معايير دقيقة منها: نسبة النشاط في مجموع الأنشطة، مؤشر الأداء، وأولوية النشاط البحثي نسبة إلى بقية الأنشطة الأخرى. وينبغي أيضاً احتواء هذه الصيغة على مؤشر معياري لقياس أهمية النشاط البحثي ودرجة اكتماله وتواصله مع البحوث السابقة للباحث، بل واستمرار اتجاه البحث، حيث إن كل هذه الأمور متطلبات أساسية لتحقيق التميز والريادة البحثية في التخصصات الدقيقة في العلوم الطبيعية والتطبيقية. ولذا عرضت هذه الورقة صيغة مقترحة لتنشيط عملية البحوث العلمية الأساسية التي يرجى منها تحقيق التميز للجماعات البحثية في مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، لكن ينبغي التأكيد هنا بأن الفائدة المرجوة من اعتماد هذه الصيغة يعتمد على درجة تبني عدة أمور تنظيمية لدعم جميع مقومات عملية البحوث العلمية ومنها: 1- إيجاد جماعات بحثية في كل مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي اعتماداً على التخصص الدقيق لكل باحث وخبراته السابقة، بحيث يوكل إلى كل مجموعة تحقيق أهداف بحثية محددة. 2- تحديد أهداف بعيدة المدى لكل جماعة بحثية والعمل على تحقيق الأهداف في إطار زمني محدد. 3- دعم أنشطة الجماعات البحثية من خلال تسهيل إجراءات توفير المعدات اللازمة لإكمال أعمالها، وإيجاد آليات جذب للباحثين المساعدين المتميزين، بحيث تسهم كل جماعة بحثية في تطوير هذه الآليات من خلال التعاون مع إدارات (عمادات) البحث العلمي. 4- تأكيد أهمية استمرار البحوث التي يقوم بها الباحثون وضرورة الترابط بين هذه البحوث، ولهذا الغرض يمكن استخدام نتائج التقويم وصيغة التقويم المقترحة في هذه الورقة لقياس درجة تحقيق الترابط بين البحوث التي تقوم بها كل جماعة بحثية. 5- تقديم الدعم المعنوي والمادي للأساتذة الباحثين من أجل تكوين الجماعات البحثية (كل في حقل تخصصه الدقيق) ودعمه بعدد من الباحثين المساعدين المتميزين شريطة تطوير خطة بحثية مقترحة خلال فترة زمنية معينة، ووضع جدول زمني لتحقيق الخطة البحثية. 6- تفعيل دور إدارات البحث العلمي في متابعة مقترحات الجماعات البحثية وإعطائها الدور الإداري الفاعل في تقنين عملية تكوين الجماعات البحثية، وتأكيد أهمية الارتباط الوثيق والتوافق بين الاهتمامات البحثية لكل عضو في الجماعة البحثية مع الأهداف بعيدة المدى لكل جماعة بحثية. 7- تقويم الصيغ المستخدمة لتقويم أنشطة الأستاذ الجامعي من خلال تحليل النتائج المتحققة من أنشطة الأستاذ الجامعي الباحث، أو من أنشطة الجماعات البحثية في فترة زمنية كافية. 8- تنشيط حركة تأليف الكتب الدراسية وترجمتها من خلال خطة مرحلية تعد بناء على أولويات واحتياجات الأقسام الأكاديمية، وضرورة إنشاء دور نشر علمية متخصصة يكون دورها المبادرة والمساهمة في دفع حركة التأليف والترجمة من خلال تجنيد أكبر عدد من الأساتذة المتخصصين في تنفيذ مشاريع تأليف وترجمة علمية تكون من ضمن خطط بعيدة المدى تعدها مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي. ومع الاعتراف بأهمية النتائج التي قد تدلل عليها أي صيغة تستخدم لتقويم أنشطة البحوث بناء على ما يتحقق من نتائج، إلا أن المعايير الرقمية المستخدمة في الصيغة المقترحة في هذه الورقة تبقى نسبية، ويمكن استبدالها بما يناسب الخطط البحثية ومجالات التخصص في كل مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي التي تسعى إلى التميز والريادة في حقول تخصصها. والله الموفق

شاطر | 
 

 محاضرات مقاصد الشريعة الإسلامية لطلاب الدراسات العليا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: محاضرات مقاصد الشريعة الإسلامية لطلاب الدراسات العليا   الجمعة 25 مايو 2012 - 16:50

جامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم
كلية الدراسات العليا والبحث العلمي
دائرة العلوم الشرعية – تمهيدي الماجستير



مادة مقاصد الشريعة


إعداد الدكتور/ مبارك المصري النظيف
www.elmasrii@gmail.com

2011م


المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، حمد الحامدين وشكر الشاكرين ، وأصلي وأسلم وأبارك على من أرسل رحمة للعلمين ، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن علم المقاصد الشرعية من أجل العلوم وأنفعها، إذ به يتضح عدل الشريعة وسماحتها وحكمتها في تشريعها العام والخاص، وأنها من عند الله العليم الخبير خالق الإنسان، وضع فيها من المصالح والفوائد ما يصلح أحوال الناس في كل زمان ومكان، مما جعل هذه الشريعة راسخة صامدة ثابتة شامخة على مر العصور بما حوته من الخير والهدى والنور والبيان.

ولقد كانت مقاصد الشريعة محل دراسة الفقهاء والمحققين ومحط نظر العلماء المدققين الذين فهموا النصوص واستوعبوا دلالاتها فلا يزالون يغوصون في أسرارها ويستخرجون مكنون كنوزها كما هو واضح من خلال تفسيرهم الآيات وشرحهم للسنة النبوية وبيان أحكام الدين.

فهو من العلوم التي أسس العلماء بنيانها ووطدوا أركانها، لا سيما علماء الأصول من خلال كلامهم على المناسبة والمصالح المرسلة. وجدير بعلم كهذا أن يعتني به طلاب العلم ويتدارسوه ويدققوا فيه النظر ليتضح أكثر وأكثر.

ولعل هذه المحاضرات التي ألقيتها على طلاب الدراسات العليا مرحلة الماجستير، تكون معوانة على الولوج في هذا الموضوع والتعرف عليه، وقد جمعتها من بعض الكتب والرسائل العلمية الحديثة حيث استفدت جملته مما كتبه الدكتور محمد بن سعيد اليوبي، وأضفت إليه بعض الفوائد من بعض المراجع الأخرى مثل كتاب المقاصد لابن عاشور، ومقاصد الشريعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية للدكتور يوسف أحمد البدوي، و طرق الكشف عن مقاصد الشريعة للدكتور نعمان جغيم، ورسالة أهمية المقاصد وأثرها في استنباط الأحكام للدكتور سميح الجندي، والمختصر في مقاصد الشريعة للقرني، و معالم وضوابط الاجتهاد عند شيخ الإسلام للدكتور علاء الدين حسين رحال، وغيرها.

ولخصت الحديث عن المقاصد في النقاط التالية:

1- تعريف علم المقاصد وإثبات كون الشريعة مبنية على مقاصد وموضوعه.

2- تاريخ علم المقاصد ( المراحل التي مر عليها).

3- فوائد مقاصد الشريعة.

4- كيف تقدر المصالح والمفاسد ومن يقدرها؟.

5- أهمية دراسة المقاصد للمسلم عامياً كان أم مجتهداً.

6- طرق الكشف عن المقاصد.

7- أقسام مقاصد الشريعة.

8- خصائص المقاصد.

9- القواعد الكلية لمقاصد الشريعة.

10- علاقة المقاصد بالأدلة الشرعية.

11- المصادر والمراجع لعلم المقاصد.

سائلاً الله عز وجل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم ، نافعاً لمن شاء من خلقه ، وأرجو أن لا يحرمني طالب العلم من دعوة صالحة بالمغفرة والتوفيق ، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أهداف المادة :

1- تزويد الطالب بتصور كلي للشريعة من خلال التعرّف على مقاصدها الكلية .

2- إكساب الطالب القدرة على الاستعانة بالمقاصد على فهم النصوص الشرعية وتفسيرها ومعرفة مراميها .

3- ترسيخ إيمان الطالب بمعرفة حكمة الشارع فيما شرع .

تعريف علم المقاصد:

تعريف المقاصد لغة:
المقاصد
جَمْعُ: مَقْصَد وأصلها من الفعل الثلاثي (ق ص د) , يقصد قصدا , ومقصدا ، وفي لغة العرب لها عدة معاني, منها :
الأول : القصد : العدل و الوسط بين الطرفين , جاء في القرآن الكريم: (واقصد في مشيك) [سورة لقمان : 19] وكذلك في: (ومنهم مقتصد) [سورة فاطر : 23] وفي الحديث: (القصد القصد تبلغوا) أي عليكم بالتوسط في الأمور في القول والفعل . والقصْدُ في الشيء : خلاف الإفراط .
الثاني : الاعتماد والَأمّ وطلب الشيء وإتيانه , كما جاء في الحديث: (فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة ), يعني طلبته بعينه وإليه , وقصدك أي تجاهك
الثالث : استقامة الطريق , قال الله تعالى: (وعلى الله قصد السبيل) [سورة النحل : 9] أي : على الله الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة. والقصد من الطريق : المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.
الرابع : القرب , كما جاء في الآية (لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا) [التوبة : 42] أي : هينة السير
.

تعريف المقاصد اصطلاحاً:

عرفها محمد الطاهر بن عاشور بأنها: "المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها" .

وعرفها علال الفاسي بقوله بأنها: "الغاية والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها " .

وعرفها محمّد الزحيلي بأنها: " الغايات والأهداف والنتائج والمعاني التي أتت بها الشريعة , وأثبتتها في الأحكام , وسعت إلى تحقيقها وإيجادها والوصول إليها في كل زمان ومكان".

وعرفها أحمد الريسوني بأنها: "الغايات التي وُضِعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد" .

وعرفها نور الدين الخادمي بأنها: "المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية , والمترتبة عليها , سواء أكانت تلك المعاني حكما جزئية أم مصالح كلية أم سمات إجمالية , وهي تتجمع ضمن هدف واحد هو تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدارين" .

وعرفها يوسف حامد العالم بأنها: "الغاية التي يرمي إليها التشريع ، والأسرار التي وضعها الشارع الحكيم عند كل حكم من الأحكام.
إثبات كوْن الشريعة مبنيةً على مقاصد:

لقد قامت الأدلة القاطعة على كون الشريعة ذات مقاصد بُنيتْ عليها، ويمكن إثبات ذلك بطريقين: الخبر والنقل، والنظر والعقل.

أولاً: الخبر والنقل؛ وهو نوعان:

أولهما عام؛ مثل قول رسول الله صل ى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"، وفيه نفيُ الضرر والإضرار في أحكام الشرع، فدلّ على مقصد من مقاصد الشريعة في الأحكام.

والقاعدة الفقهية الكبرى المتفق عليها: (الأمور بمقاصدها)، وفيها إثبات الأحكام الدينية بناءً على النية والقصد والغاية.

والثاني خاص؛ يتعلق بمسائل ذُكِر لها مقاصد، ومنها: تحريم الخمرة؛ لإِفسادها للعقل؛ ومن أدلة ذلك قوله : "كل مسكر خمر، وكلُّ مسكر حرام".

قال ابن القيم: (القرآن وسنة رسول الله مملوءان من تعليل الأحكام بالحِكَم والمصالح وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحِكَم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة).

والثاني: النظر والعقل؛ وله وجهان:

الأولى: الاستقراء؛ قال البيضاوي: (إن الاستقراء دَلّ على أن الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد) ، وقال ابن القيم: (إن الشريعة مبناها على ....).

الثانية: الدلالة العقلية، ومنها أن يقال: الشارعُ في تشريعه؛ إما أن يكون قد راعى مقاصد عند التشريع أَوْ لا. والثاني باطل؛ لأنه إما لعدم العلم السابق للتشريع، أو لعدم الحكمة عند التشريع، أو لمانع منع الشارع من مراعاة المقاصد، وكلها باطلة فاسدة بالإجماع؛ فتعيَّن الأول ـ وهو أن الشارع قد راعى المقاصد عند التشريع ـ ولا بد.

موضوع علم المقاصد:
موضوع علم المقاصد هو المصالح والمفاسد والأحكام الشرعية، فالمصالح من حيث جلبها والمحافظة عليها وبيان مراتبها، ومراتب ما تجلب به ويحافظ به عليها، والمفاسد من حيث دفعها ودفع ما يدعو إليها، والأحكام من حيث جلبها للمصالح ودفعها للمفاسد.

المراحل التي مر عليها علم مقاصد الشريعة:

كان مصطلح مقاصد الشريعة ظاهراً في بعض نصوص الكتاب والسنة، وفتاوى وعمل الفقهاء، دون تدوين لذلك في كتاب.

لكن لما انْقَلَبَتْ العلوم صناعة، ودُوِّنت المصنفات، وصُنِّفت الكتب؛ أُظهر علم مقاصد الشريعة، ويمكن تمييز ثلاث مراحل لهذا العلم:

المرحلة الأولى : وهي مرحلة النشأة والتكوين:

وتتمثل هذه المرحلة بما قام به علماء الأصول من إظهار بعض مباحث ومسائل مقاصد الشريعة في تآليفهم وتصانيفهم، ومن أبرز أولئك: إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في كتابه: البرهان، والإمام أبو حامد الغَزَّالي (ت: 505 هـ) في كتابيه: المستصفى، وشفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل، ومسالك التعليل.

مزايا هذه المرحلة:

أ‌- إظهار بعض مباحث علم المقاصد ومسائله.

ب‌- عدم الإسهاب في مباحث علم المقاصد بياناً وتحقيقاً.

المرحلة الثانية : وهي مرحلة التَحَوُّل والتدوين:

وفيها إِظهارُ أصول مقاصد الشريعة، وقواعدَ كلية تتعلق بذلك، وتتمثل بما قام به سلطان العلماء العز بن عبد السلام (ت: 660هـ)، في كتابه: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، والقواعد الصُّغْرى.

مزايا هذه المرحلة:

أ‌- إظهار أصول المقاصد إظهاراً بَيِّناً واضحاً.

ب‌- المجيء بمباحث وقواعد في المقاصد لم تُذْكَر من قبل.

ولقد اعتنى الإمام القَرَافي المالكي بتحرير وتهذيب ما قرَّره شيخه العز بن عبد السلام، وذلك في منثور كتبه، وبخاصة كتب: الفروق، والنفائس، وشرح تنقيح الفصول.

المرحلة الثالثة : وهي مرحلة الاكتمال والنضج :

وتتمثل بما قام به الإمام الشاطبي (ت: 790 هـ)، في كتابه: الموافقات؛ حيث جمع مسائل هذا العلم، وأصَّل قواعده، وحَقَّق مباحثه، حتى قيل: هو مخترع علم المقاصد.

مزايا هذه المرحلة:

أ‌- اكْتِمال علم المقاصد في جملة مسائله مع تأصيل.

ب‌- إظهار مقاصد الشريعة كعلم مُسْتَقِل.

ولعل من الأسباب التي دفعت الإمام الشاطبي للعناية بالمقاصد أنه مالكي المذهب، ومعلوم أن من أصول المذهب المالكي: مراعاة المصالح، هذا بالإضافة إلى وجود المَلَكَة التامَّة للاستنباط والتعليل عند الإمام الشاطبي، والقوة في علم اللسان والعربية.

الشاطبي مؤسس علم المقاصد:

إذا كان الإمام محمد بن إدريس الشافعي قد اعتبر مؤسس"علم أصول الفقه"، بالرغم من أنه لم يدع ذلك، بل مات رحمه الله، وهو لا يعرف حتى مصطلح"علم أصول الفقه"فكذلك الشأن مع إمامنا أبي إسحاق الشاطبي الغرناطي، الذي اعتبره الكثيرون مؤسس"علم مقاصد الشريعة"بالرغم من أنه لم يدع ذلك، ولا استعمل هذا اللقب.

الإمام الشاطبي أصبح رديفاً لمقاصد الشريعة، فلا يكاد يذكر إلا ذكرت معه، ولا تذكر إلا ذكر معها ، فهو شيخ المقاصد بحق وحقيقة.

وقد طارت شهرته وذاع صيته، وكتب عنه في زمننا من المؤلفات ومن الأبحاث والمقالات ما لا يكاد يحصى.

يقول ابن عاشور: "والرجل الفذ الذي أفرد هذا الفن بالتدوين هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي، إذ عني بإبرازه في القسم الثاني من كتابه المسمى(عنوان التعريف بأسرار التكليف ) أو الموافقات.

ومن إضافات الشاطبي لعلم المقاصد:

· مقاصد المكلف في علاقتها بمقاصد الشارع.

· علاقة المقاصد بالاجتهاد ومدى توقفه عليها.

· طرق إثبات المقاصد.

فهو في هذه المباحث كلها مبتكر ومجدد ومؤسس.

ابن عاشور يستأنف البناء:

لعل أول كتاب كامل يصدر حول ابن عاشور، هو(نظرية المقاصد عند الإمام ابن عاشور) للدكتور إسماعيل الحسني ، ثم تبعه كتاب الدكتور بلقاسم الغالي(شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر ابن عاشور ثم (مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور) للأستاذ محمد الطاهر الميساوي ، ثم صدر أخيرا أهم عمل علمي عن ابن عاشور، وهو لتلميذه العلامة محمد الحبيب ابن الخوجة، الكتاب الذي يحمل اسم(محمد الطاهر ابن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية)وهو في ثلاثة مجلدات ضخمة، هي:

-الجزء الأول: شيخ الإسلام محمد الطاهر ابن عاشور.

-الجزء الثاني: بين علمي أصول الفقه والمقاصد.

-الجزء الثالث: مقاصد الشريعة الإسلامية، لشيخ الإسلام، الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور(تحقيق ومراجعة).

من أبرز ما أضافه ابن عاشور للمقاصد, هو ذلك النوع من المقاصد الذي خصص له القسم الثالث من كتابه, وسماه: "مقاصد التشريع الخاصة بأنواع المعاملات" ، وأدرج تحته:

- مقاصد أحكام العائلة.

- مقاصد التصرفات المالية .

- مقاصد الشريعة في المعاملات المنعقدة على الأبدان.

- مقاصد أحكام القضاء والشهادة.

- المقصد من العقوبات.

الصحوة المقاصدية المعاصرة.

ثم بعد سنوات من صدور كتاب ابن عاشور، برز العلامة المغربي علال الفاسي (ت1974) ، يحمل راية المقاصد والفكر المقاصدي على نطاق واسع في عدد من المؤسسات الجامعية بعد تأليف كتابه(مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها)، وهو الكتاب الذي كان أصله محاضرات ألقاها على كل من طلبة الحقوق وطلبة كلية الشريعة.

ثم ظهر التطور التاريخي الأعظم بالتدريس لعلم المقاصد لألوف الطلاب في عدد من الجامعات عبر العالم، بل انتشر البحت العلمي التأصيلي الجامعي وغير الجامعي، وامتدت حركة التأليف والنشر، وتوسعت دائرة المجالات والندوات المقاصدية المتخصصة.

مستقبل البحث في مقاصد الشريعة :

البحث في مقاصد أضحى اليوم ينمو ويتسع بوتيرة لم يسبق لها مثيل، سواء في الجامعات أو خارجها. غير أن ذلك يجري بكثير من العفوية أو العشوائية، مما يؤكد الحاجة الملحة لكثير من التفكير والتخطيط والتوجيه، من أجل ترشيد البحث المقاصدي. بين يدي ذلك أضع فيما يلي بعض الخطوط العريضة التي يمكن اعتمادها في هذا المجال.

أولا ـ الدراسة المقاصدية للقرآن والسنة:

لقد تحقق قدر معتبر من النشر والدراسة للمؤلفات والإسهامات المقاصدية لعدد من علمائنا، من فقهاء وأصوليين ومتكلمين وغيرهم. ولقد أصبح الآن لزاما التوجه إلى الدراسة المقاصدية المباشرة لنصوص القرآن والسنة، لأن مقاصد الشريعة ـ في البدء وفي النهاية ـ إنما هي مقاصد الكتاب والسنة لا أقل ولا أكثر، فإذا كنا نلتمس المقاصد ونستخرجها من كتب الفقه وكتب الأصول وغيرها، فأولى بنا الآن أن نلتمسها ونستخرجها من القرآن الكريم والسنة النبوية. فإنما المقاصد مقاصدهما، وإنما الأصول أصولهما.

قال الإمام الشاطبي وهو يحكي رحلته مع المقاصد ومع كتاب (الموافقات): "ولما بدا من مكنون السر ما بدا، ووفق الله الكريم لما شاء منه وهدى، لم أزل أقيد من أوابده، وأضم من شوارده تفاصيل وجملا، وأسوق من شواهده في مصادر الحكم وموارده مبينا لا مجملا، معتمدا على الاستقراءات الكلية، غير مقتصر على الأفراد الجزئية، ومبينا أصولها النقلية ، بأطراف من القضايا العقلية، حسبما أعطته الاستطاعة والمنة في بيان مقاصد الكتاب والسنة"([1]).

ثم قال رحمه الله في موضع آخر: "إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر... وإذا كان كذلك، لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها، أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الليالي والأيام... ولا يقدر على ذلك إلا من زاول ما يعينه على ذلك من السنة المبينة للكتاب"([2]).

على أن مقاصد القرآن والسنة ليست محصورة في آيات الأحكام وأحاديث الأحكام. بل كل الآيات والأحاديث لها مقاصدها،ويجب أن تدرس وتفهم بمقاصدها. فالقصص القرآني له مقاصده، والأدعية القرآنية والنبوية لها مقاصدها، وضرب الأمثال في القرآن والسنة له مقاصده .

ثانيا: مقاصد العقائد:

وهذا المجال في تقديري هو أهم المجالات والآفاق التي على البحث المقاصدي ارتيادها وإلحاقها بمجالات الدراسات المقاصدية، وأعني به البحث في (مقاصد العقيدة الإسلامية)، تماما مثلما بحث السابقون ويبحث المعاصرون في(مقاصد الشريعة الإسلامية). وليست شرائع الإسلام أولى بالعناية وبالبحث عن مقاصدها من عقائد الإسلام. فلماذا نجد الحديث ينمو ويتكاثر عن مقاصد الأحكام ولا نجد شيئا عن مقاصد العقائد؟ !

ففي الفقه والتشريع كانت مقاصد الأحكام حاضرة ومؤثرة في الفهم والاستنباط والاجتهاد والتطبيق، مما جعل الحديث عن مقصود الشرع، ومقصود الحكم، وحكمة الشريعة ومقاصد الشريعة، حديثا مألوفا ومعتمدا عند عامة علماء الفقه وعلماء أصول الفقه.

أما مجال العقائد(علم التوحيد والكلام) فقد خلا تقريبا من النظر المقاصدي، وكأن عقائد الإسلام ليس لها مقصد ولا غرض ولا ثمرة ترجى، وأن على المكلف أن يعتقدها ويعقد عليها قلبه ليس إلا. وليت الأمر وقف عند هذا الحد، فإنه قد يهون، ولكن الذي حصل ونتج عن تغييب مقاصد العقائد هو اتخاذ مقاصد غير مقاصدها، تم تنفيدها من الخصوم المناوئين، والرد عليها بما يضادها. وأدخلت العقائد الإسلامية- تلك البسيطة البريئة- في متاهات ذهنية خيالية أفقدتها قيمتها وفائدتها، وصرفتها عن مقاصدها وعن بعدها العلمي.

فهذا مجال كبير وبكر من مجالات(علم المقاصد)، يحتاج إلى باحثين أفذاذ ومستكشفين رواد.

ثالثا: طرق إثبات المقاصد :


هذا الموضوع كما لا يخفى هو مفتاح الكشف والإثبات لمقاصد الشريعة. وهو أيضا المفتاح الذي به نغلق الباب على أدعياء المقاصد والمتقولين على المقاصد، والمتقولين على الشريعة وأحكامها باسم المقاصد.

فحينما يصبح القول في مقاصد الشريعة وتحديدها وتعيينها وترتيبها عملا علميا دقيقا ومضبوطا له أصوله ومسالكه وقواعده، يمكننا أن نتقدم بثبات وثقة في مزيد من الكشف عن مقاصد الأحكام، إتماما لما قام به أسلافنا من فقهاء وغيرهم، على مر العصور.

كما أن هذا سيغلق الباب على الطفيليين ودعاة التسيب باسم المقاصد والاجتهاد، الذين أصبح شعارهم: "لا نص مع الاجتهاد" و "حيثما كان رأينا فتلك هي المصلحة" و "حيثما اتجه تأويلنا وغرضنا فتلك هي مقاصد الشريعة ".

نعم لقد بذلت مجهودات، وكتبت أبحاث وفصول ومقالات في هذا الموضوع، من ذلك بحث الدكتور نعمان جغيم، الذي بعنوان( طرق الكشف عن مقاصد الشارع )، ولكنها تظل حتى الآن قاصرة كما وكيفا عن سد هذه الثغرة وإيفائها حقها، بما يتناسب مع أهميتها وخطورتها.

رابعا: إعمال المقاصد واعتمادها في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر.

إن مقاصد الشريعة - العامة منها والجزئية- تمثل ثوابت الإسلام ومراميه وأسسه العقدية والتشريعية ولذلك فهي تمثل عنصر الثبات والوحدة والانسجام لحركة الفكر الإسلامي في مختلف قضاياه وجوانبه.

ومن جهة ثانية فإن الفكر الإسلامي المعاصر قد أصبح عرضة- أكثر من أي وقت مضى - لتأثيرات قوية نافذة من الفكر الغربي الحديث، مما يوسع من احتمالات الاختلاف والتباعد، ليس بين رواده ومدارسه فحسب، ولكن التباعد حتى عن بعض ضوابط الإسلام ومقتضياته وعن صبغته وطبيعته.

ومقاصد الشريعة بما تتضمنه وتبرزه من كليات وثوابت، ومن شمولية وتناسق في النظر إلى الأمور، وبما تتضمنه من مراتب وأولويات، هي خير مؤسس وموجه وموحد للفكر الإسلامي في مختلف القضايا التي يواجهها ويعالجها اليوم، سواء منها العقدية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو التربوية...، ولا نبالغ إذا قلنا إن "الفكر الإسلامي" لا يكون جديرا بهذه الصفة إلا بقدر ما يتمثل مقاصد الشريعة ويصطبغ بها، ويترجمها إلى إجابات وحلول لقضايا العصر وإشكالاته وتحدياته.

وعلى هذا الأساس يمكن أي تناول أي قضية من القضايا التي تشغل الفكر المعاصر، والفكر الإسلامي خاصة،ودراستها من عدة زوايا يكون من بينها أو في مقدمتها زاوية مقاصد الإسلام ومقاصد شريعته، بحيث تتخذ معيارا وحكما.

فوائد مقاصد الشريعة:

1. الاستعانة بالمقاصد في فهم بعض الأحكام الشرعية وفقه الأولويات.

2. توجيه الفتوى وتنزيلها على الوقائع وتحقيق مقاصد الشريعة في آحاد المستفتين.

3. تحكيم المقاصد باعتبار أقوال السلف فيؤخذ منها ما يوافقها ويترك ما يخالفها.

4. استنباط الأحكام للوقائع المستجدة مما لم يدل عليه دليل ولا وجد له نظير يقاس عليه.

كيف تقدر المصالح والمفاسد ومن يقدرها؟:

أولاً: تقدير المصالح والمفاسد بالشرع لا بالهوى:

تقدير المصالح والمفاسد إنما يكون بالشرع لا بالهوى، يقول ابن تيمية رحمه الله: ( لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد رأيه...).

فالمرحلة الأولى أن ننظر هل المصالح والمفاسد التي نحن بصددها ورد بالموازنة بينها نص في الشريعة أم لا؟ فحيث ورد النص باعتبار مصلحة ما أو بإلغائها وجب اتباعه. فمن سأل هل يبقى مع والديه لبرهما أم يخرج متطوعًا للجهاد ولو لم يأذنا؟ أي المصلحتين تقدم؟ فهذا ورد تقديره والجواب عنه في نصوص الشريعة بما لا يدع مجالاً للاجتهاد في رأي، ففي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: سألت رسول الله r: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم بر الوالدين"، قلت: ثم أي؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله"([sup][3])[/sup].

أما إذا اشتبهت المسألة ولم يوجد نص صريح يقضي باحتمال مفسدة ما أو تفويت مصلحة أو تقديم مصلحة على أخرى فهنا يكون الاجتهاد.

ثانيًا: لا بد من النظر في المآلات عند تقدير المصالح والمفاسد:

فمما ينبغي أن يعلم أنه عند تقدير المصالح والمفاسد لا يكون ذلك بالنظر إلى اللحظة الراهنة فحسب بل لا بد من تصور العواقب والنظر فيما يؤول إليه الأمر في النهاية.

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: إن الاستقراء للشريعة وأدلتها يدل على اعتبار المآلات، وذكر أمثلة تفصيلية كامتناعه r عن قتل المنافقين مع قدرته على ذلك خشية أن يظن الناس أنه يقتل أصحابه فينفروا من الدخول في الإسلام، وكنهيه أصحابه عن زجر الأعرابي حال تبوله في المسجد، وكنهيه r عن التشديد على النفس في العبادة خوفًا من الانقطاع ، فالنظر في مآلات الأفعال معتبر ومقصود شرعًا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل.

فمن أراد الولد والذرية لا يقبل منه أن يتزوج بمن عرف أنها عقيم ويقول ليس عليّ النتيجة، وإنما يتحرى الولود أو من لم يعرف أنها عقيم، فالإنسان قبل الإقدام على العمل أو عدمه ينبغي أن يتأمل فيما يغلب أن يكون من النتائج لأنه لولا كونها مقصودة في الأصل ما شرع العمل، لكن بعد النظر والاطمئنان إلى أن الغالب كون النتائج أو المسببات الحاصلة هي مقصود الشارع فحينئذ يأخذ في التنفيذ والعمل متوكلاً على الله وهو مطمئن.

ولكن من يقوم بتقدير المصالح والمفاسد؟

لما كان هذا الأمر مما تتفاوت فيه الاجتهادات وتتباين فيه التقديرات، كان لا بد له من دراية بالشرع ومعرفة دقيقة وخبرة بالواقع مع قوة في العقل والفراسة للنظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح مع الإخلاص التام والتجرد من الهوى، والموفق من وفقه الله عز وجل وجعل له فرقانًا وبصره بالحق والصواب.

ولكن من المعلوم أن الأمور التي نحتاج فيها إلى تقدير المصالح والمفاسد تتفاوت تفاوتًا عظيمًا من حيث أهميتها وخطورتها وتأثيرها، ومن حيث دائرة من تتعلق بهم، ومن حيث كونها مطلوبة للنفس أم لإفتاء الناس، فقد يمر الإنسان ببعض المواقف اليسيرة العابرة التي يحتاج فيها لمعرفة التصرف الأمثل الملائم للشرع المحقق للمصلحة واختياره من بين عدة تصرفات محتملة وكلها مباحة في الأصل، ولا يعقل البحث عن مجتهد ليقدر المصلحة في كل أمر عابر وكل موقف يسير ولكن يستطيع غير المجتهد بشيء من التأمل أو بمشورة بعض الأصحاب الخيرين المطلعين على الشرع وعلومه ـ وإن لم يكونوا من العلماء ـ أن يقدر المصلحة ومظانها، وهذا بخلاف ما لو عظمت الأمور، أو اتسعت دائرة تأثيرها، أو تعلقت بتحريم شيء على الناس أو تحليله، فيكون ما يلزم لها من العلم وأدوات الاجتهاد أكثر وأكثر لاسيما إن تعلق الأمر بمناهج الدعوة وأساليبها وتجديد الدين وإحياء السنن، أو بإنكار المنكر والجهاد، ونحو ذلك، مما يتطلب جهد العلماء وأهل الاجتهاد.

أهمية دراسة مقاصد الشريعة:

إن معرفة مقاصد الشريعة لها أهمية عظيمة، وفوائد كثيرة بالنسبة للمسلم العامي والفقيه والباحث والعالم والمجتهد.

أما أهميتها بالنسبة للمسلم العادي:

1. زيادة الإيمان بالله تعالى ورسوخ العقيدة في القلب؛ فيحصل عنده القناعة التامة بعظمة هذا الدين وصدقه،.

2. المحافظة على المسلم من الغزو الفكري وما يحصل من تحسين للمبادئ الهدامة، وإخفاء محاسن الشريعة وذلك بعد الوقوف على علم المقاصد.

3. موافقة المكلف لمقصد الشارع، حيث إن مقاصد المكلف يجب أن تكون تابعة لمقاصد الشرع ومحكومة بها.

4. تحقيق عبودية الله تعالى، فكما أن الخلق عباد لله كوناً فلا بد أن يكونوا عباداً له شرعاً وديناً.

5. الإقبال على تطبيق الشريعة؛ لأن الطبيعة البشرية تحب ما ينفعها وتميل إليه ، فحينما يعرف المصالح المترتبة على الطاعات يطمئن إليها ويقبل عليها والعكس .

6. حماية الشريعة من الانحراف في الاستدلال والاستنباط، وصيانة الشريعة من العبث والتغيير.

أهمية علم المقاصد بالنسبة للمجتهد ومن في معناه:

1. فهم النصوص وتفسيرها ومعرفة دلالتها.

2. الترجيح بين الأدلة المتعارضة والتوفيق بينها.

3. معرفة أحكام الوقائع التي لم ينص عليها بالخصوص.

4. تنزيل الأحكام الشرعية على الظروف المكانية والزمانية (فقه الواقع وتحقيق المناط).

5. تحقيق التوازن والاعتدال في الأحكام وعدم الاضطراب.

طرق الكشف عن مقاصد الشريعة:

من الطرق التي يمكن بها معرفة مقصد الشارع ما يلي:

الطريق الأول: الاستقراء:

الاستقراء لغة: التتبع . واصطلاحا: وهو تَتَبُّع جُزئيات الشيء لإثبات حُكْم كُلّي.

أقسام الاستقراء؛ يُقَسَّم إلى قسمين:

- الأول : استقراء تام، وهو : تتبع جميع جزئيات الشيء لإثبات حكم كُلّي، وهذا حجة عند جماهير العلماء وأكثرهم، وإن كان يندر حدوث الاستقراء التام إلا ما كان في النصوص الشرعية المحددة (القرآن الكريم).

- والثاني : استقراء ناقص، وهو: تتبع جُمْلَةٍ من جزئيات الشيء لإثبات حكم كُلِّي، وهذا مختلف في حُجّيته، ولكنه من الناحية الأكاديمية العلمية البحثية هو المطلوب؛ لتعذر الاستقراء التام وإمكانية الاستقراء الناقص.

أنواع الاستقراء في علم المقاصد؛ للاستقراء نوعان:

- الأول : استقراء الأحكام التي عُرفتْ عِلَلها، لأن في استقراء العلل الكثيرة المتماثلة يمكن أن نستخلص حكمة واحدة فنجزم بأنها مقصد شرعي، كما يقول علماء المنطق أنه يمكن تحصيل مفهوم كلي من خلال استقراء الجزئيات.

مثال ذلك: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يَذَر".

والعِلَّة في هذا النهي: هو ما في ذلك من الوحشة التي تنشأ عن السعي في حرمان الآخر من منفعة مبتغاة، فيُستخلص من ذلك مقصدٌ شرعي: هو دوام الأخوة بين المسلمين.

وكذلك نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغرر، ومن معاني الغرر: الجهالة، والجهالة قد تفضي إلى نزاع، والقاعدة الفقهية تقول: (كل جهالة تفضي إلى نزاع؛ مفسدةٌ للعقد)، ومقصد التشريع في المعاملات المالية: سلامة صدور المسلمين على بعضهم؛ خالية من الحقد أو الكراهية، ولذا تم بناء أحكام المعاملات المالية على البيان والوضوح، لا على التدليس والغش والغموض.

- والثاني : استقراءُ أدلةِ أحكام اشتركت في علةٍ. ومثاله: أحاديث النهي عن: (الاحتكار) و(تَلقّي الركبان) و(بيع الطعام قبل قبضه)، حيث تشترك في علة واحدة لمستقرئها.

فبهذا الاستقراء يحصل العلم بأن رواج الطعام، وتيسير تناوله وتداوه، وعدم ارتفاع سعره؛ بتقليل حلقات السلسلة بين المنتِج والمستهلك: مقصد من مقاصد الشريعة.

الطريق الثاني: طرق معرفة العلة (مسالك العلة):

ومن هذه المسالك ما يلي:

1) النص: وهو ما كانت دلالته على العلة ظاهرة سواء كانت قطعية أو محتملة ، ومن أهم الألفاظ الدالة على العلة في نصوص الشرع الألفاظ التالية:

1- التصريح بلفظ الحكمة كقوله تعالى: (حكمة بالغة) القمر 5.

2- أن يذكر ما هو من صريح التعليل مثل قوله: (من أجل) كما في قوله: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل..) المائدة 32، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) ، وقوله: ( إنما نهيتكم من أجل الدافة).

3- لفظ (كي) كما في قوله تعالى: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) الحشر 7.

4- لفظ (إذن) كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب حينما قال أجعل لك صلاتي كلها قال: (إذن يغفر الله لك ذنبك كله).

2) الإجماع: وهو أن يحصل اتفاق المجتهدين على أن الوصف المعين هو علة الحكم كالإجماع على أن علة تقديم الشقيق امتزاج النسبين في الميراث فيقدم كذلك في الولاية، وإجماعهم على خلافة أبي بكر قياساً على إمامته في الصلاة.

3) الإيماء: وهو لغة: الإشارة. واصطلاحا: اقتران الحكم بوصف لو لم يكن علة الحكم لكان الكلام بعيدا عن فصاحة كلام الشارع وكان من الإتيان بالألفاظ في غير موضعها.

4) المناسبة: وهي لغة: الموافقة والملاءمة. واصطلاحاً: أن يكون الوصف الذي اقترن به الحكم مناسبا له، ومعني مناسباً له أي يترتب على إناطة الحكم به مصلحة أو دفع مفسدة.

5) الشبه: وهو لغة: المماثلة ، واصطلاحا: أن يتردد الفرع بين أصلين فيلحق بأكثرهما شبهاً وقيل غير ذلك.

6) السبر والتقسيم: السبر لغة: الاختبار والتجربة، والتقسيم: التفريق.

فالتقسيم: أن يحصر المجتهد الأوصاف التي تصلح للتعليل.

والسبر: اختبار الأوصاف التي حصرها المجتهد والنظر في كونها صالحة للتعليل وإلغاء الباقي.

7) الدوران: وهو لغة: الطواف.وفي الاصطلاح: وجود الحكم عند وجود الوصف وارتفاعه عند ارتفاعه.

والدوران من الطرق التي تعرف بها العلة فلو دعي شخص باسم فغضب ثم دعي بآخر فلم يغضب وتكرر منه ذلك دون مانع دل على أنه سبب الغضب، وهكذا إذا تكرر وجود الحكم عند وجود وصف وانعدم عند عدمه دل على أنه علة الحكم.

Cool الطرد: وهو لغة: التتابع ، وفي الاصطلاح: مقارنة الحكم للوصف بلا مناسبة لا بالذات ولا بالتبع، وأكثر العلماء على عدم اعتباره كالطول والقصر.

9) تنقيح المناط: وهو لغة: التشذيب والتهذيب. وفي الاصطلاح: أن يدل نص ظاهر على التعليل بوصف فيحذف خصوصه عن الاعتبار بالاجتهاد ويناط الحكم بالأعم.

مثاله: قصة الأعرابي الذي جامع في نهار رمضان وأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بكفارة مثل كفارة الظهار، فهل ذلك لكونه أعرابياً أم للجماع نهاراً أم انتهاك حرمة الشهر أم لأنها زوجته؟.

الطريق الثالث: مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي:

فيدل الأمر المجرد ابتداء على أن الفعل مقصود للشارع وهكذا النهي يدل على أن ترك الفعل مقصود للشارع لكن ذكر لهما الشاطبي رحمه الله قيدين:

الأول: أن يكون كل منهما ابتدائياً وليس لكونه وسيلة إلى غيره أو تابعا لغيره كتحريم البيع بعد نداء الجمعة فليس ابتدائياً بل تأكيداً للسعي الذي لا يتم إلا بتركه.

الثاني: كون الأمر والنهي تصريحي أي صريح في دلالته على الطلب فخرج بذلك الضمني الذي تضمنه المأمور به أو المنهي عنه كقولهم: ( الأمر بالشيء نهي عن ضده ) فهذه الأضداد ليس النهي عنها صريحاً بل جاء في ضمن الأمر.

الطريق الرابع: التعبيرات التي يستفاد منها معرفة المقاصد:

وهي على نوعين:

الأول:التعبير بالإرادة الشرعية ونحوها وذلك كقوله تعالي: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) البقرة 185، وقوله: (والله يريد أن يتوب عليكم) النساء 27، والمقصود هنا الإرادة الشرعية، ومثلها القضاء والحكم والكتابة والأمر والإذن والجعل والكلمات والبعث والإرسال والتحريم، وهذه الألفاظ يراد بها الأمر الكوني وتارة الشرعي والمقصود هنا الشرعي، فالقضاء الشرعي كقوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) الإسراء 23، والحكم الشرعي كقوله: (ذلكم حكم الله يحكم بينكم) الممتحنة 10، والكتابة الشرعية كقوله: (كتب عليكم الصيام) البقرة 183، والأمر الشرعي كقوله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) النحل 90، والإذن الشرعي كقوله: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله) الحشر 5، أي بأمره ورضاه.

الثاني: التعبير عن المصالح والمفاسد بلفظ الخير والشر والنفع والضر وما شابهها، وذلك مثل قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) البقرة 216، وقوله: (وأن تصوموا خير لكم) البقرة 184، ومن التعبير عن المصلحة والمفسدة بالمنفعة والإثم قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) البقرة 219 .



الطريق الخامس: سكوت الشارع عن الحكم مع قيام المعنى المقتضي له وانتفاء المانع منه:

وذلك أن الأحكام التي يراد معرفة مقصد الشارع فيها لا تخلو من ثلاثة أحوال:

1- أن يثبتها الشارع بط

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: تابع للمحاضرات في مقاصد الشريعة   الجمعة 25 مايو 2012 - 16:56

الطريق الخامس: سكوت الشارع عن الحكم مع قيام المعنى المقتضي له وانتفاء المانع منه:

وذلك أن الأحكام التي يراد معرفة مقصد الشارع فيها لا تخلو من ثلاثة أحوال:

1- أن يثبتها الشارع بطريق من طرق الإثبات والمشروعية كطلبها والأمر بها والترغيب فيها.

2- أن ينفيها الشارع وذلك بالنهي والوعيد ونحوه.

3- أن يسكت الشارع عن الحكم فلا يتعرض له بنفي ولا إثبات وهذا على نوعين:

الأول: ما سكت عنه لعدم وجود ما يقتضيه كالنوازل التي حدثت بعد موته صلى الله عليه وسلم فهذا يجتهد فيه علماء الشريعة .

الثاني: ما سكت عنه مع قيام موجبه المقتضي له فهذا النوع يعتبر السكوت عنه كالنص من الشارع ألا يزاد فيه ولا ينقص منه لأن وجود المقتضي له ثم لم يشرع له حكما دليل صريح على أن الزائد عليه بدعة زائدة ومخالفة لقصد الشارع، وهذا أصل عظيم يفرق به بين البدع والمصالح المرسلة.

الطريق السادس: اللغة العربية:

1. إن ضبط اللسان العربي ومعرفة المعاني التي تحملها ألفاظ العرب من أهم الأمور لمعرفة وفهم مقاصد الشارع لأنه نزل بلسان العرب.

2. نظراً لسعة اللغة وكثرة المعاني التي تحتملها الألفاظ، فقد تتخذ اللغة وسيلة للتحريف كما فعل الباطنية والمعتزلة و الجهمية وغيرهم، وأصبحت الألفاظ الشرعية محرفة تؤول حسب الأهواء والأغراض.

3. من الضروري تعلم اللغة فهي من الدين وتعلمها فرض واجب لفهم مقاصد الكتاب والسنة ومراد الشارع من خطابه، إذ لا يفهم ذلك إلا بلسان العرب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فمنها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية.

4. إن الأصل في معرفة مقاصد الشارع هو ما يدلنا عليه من مراده بتصرفاته وعادته، واللغة وسيلة لذلك، فإن عرف معنى الألفاظ الشرعية وما أريد بها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم فلا حاجة للاستدلال بأقوال أهل اللغة.

الطريق السابع: سياق الخطاب:

1. إن العلاقة بين المقاصد والخطاب الشرعي وطيدة، فهو وسيلة إلى إدراكها وفهمها مع كونه منبعها ومصدرها.

2. العلم بأسلوب الشارع وعادته وطريقته في التعبير عن الأحكام الشرعية ومقاصدها ضروري جداً.

3. يقصد بسياق الكلام تتابعه وأسلوبه الذي يجري فيه، وإن أفضل قرينة تدل على حقيقة معنى اللفظ موافقته لما سيق له من القول واتفاقه مع جملة المعنى وائتلافه مع القصد الذي جاء الكلام من أجله.

4. من الشروط اللازمة لتحديد المعنى المراد فعلاً من طرق الشارع ما يلي:

أ‌- معرفة عادة الشارع في الخطاب وأسلوبه في التعبير والبيان وذلك باستقراء مختلف استعمالات الألفاظ ودلالتها على المعاني وتتبعها وسبرها ومعرفة الوجوه والنظائر في كلامه.

ب‌- معرفة السياق الذي ورد فيه اللفظ حتى يمكن تحديد مراد الشارع وقصده وذلك بالنظر إلى القرائن الحالية والمقالية فمدلولات الألفاظ تختلف باختلاف الحال والزمان، فحال المتكلم والمخاطب لا بد من اعتبارها، إذ الكلام يختلف بحسب حالين وزمانين ومخاطبين.

الطريق الثامن: فهم الصحابة وفقههم:

وذلك لأنهم أعلم باللغة، وألصق الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم بمقاصده وحديثه وسيرته، فللصحابة فهم في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين، كما أن لهم معرفة بأمور السنة وأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعرفها أكثر المتأخرين فإنهم شاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم وعاينوا التنزيل وعرفوا أحواله صلى الله عليه وسلم، فامتاز فقههم عن غيرهم بأنهم نظروا إلى معاني الألفاظ ومقاصدها لا إلى صورها وأشكالها.

الطريق التاسع: الاستدلال بالمقاصد الأصلية على المقاصد التبعية:

ذلك بأن المقاصد الأصلية تمد المقاصد الفرعية وتثبتها، والمقاصد الفرعية تكمل الأصلية وتحفظها، وذلك بشرط أن لا تتناقض الفرعية مع الأصلية وإلا أصبحت الفرعية ملغاة، ومثال ذلك الصلاة: فمقصدها الأصلي ذكر الله وعبادته تعالى، ولكنها أيضاً تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهو مقصد فرعي يقوي ويثبت المقصد الأصلي لما يحصل في القلب من الخشية والتعظيم والمهابة من الله تعالى من ترك الفحشاء والمنكر.
ومثال ذلك: الإخلاص والتواضع فإنه يحصل بهما من الحكمة والرفعة لكن ذلك مقصد تابع، فمن أخلص وتواضع لأجل المقصد التابع لم يحصل له ذلك، فإن قصد وجه الله وإرضاءه بذلك حصل له المقصد التابع.

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: تابع للمحاضرات في مقاصد الشريعة   الجمعة 25 مايو 2012 - 16:59

أقسام مقاصد الشرعية:

تنقسم المقاصد الشرعية باعتبارات تسعة وهي:

1- باعتبار المصالح التي جاءت بحفظها.

2- باعتبار مرتبتها في القصد.

3- باعتبار الشمول.

4- باعتبار محل صدورها ومنشئها

5- باعتبار وقتها وزمن حصولها

6- باعتبار القطع والظن

7- باعتبار تعلقها بعموم الأمة وأفرادها

8- باعتبار حظ المكلف وعدمه

9ـ باعتبار كونها حقيقية أو عرفية.

القسم الأول: أقسام المقاصد باعتبار المصالح التي جاءت بحفظها:

تنقسم المقاصد بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:

1ـ الضروريات 2) الحاجيات 3) التحسينيات والمكملات.

أولا: الضروريات:

1. تعريفها: هي ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا وبفواتها يحصل الفساد والخسران في الدارين.

وقيل في تعريفها: هي المصالح التي تتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمسة وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

2ـ أدلة اعتبارها والمحافظة عليها شرعاً:

أ) الاستقراء لأدلة الشريعة فإنها ترجع جميعا إلى حفظ هذه المقاصد الخمسة.

ب) الأدلة التفصيلية فبعضها شمل جميع هذه المقاصد مثل قوله تعالىSadقل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم....) الآيات الأنعام 151، وبعضها يشمل أفراداً منها كما سيأتي تفصيلاً.

3ـ تفصيلها: وهي خمسة أقسام:

حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وقيل: ستة ، بإضافة العرض.

1) حفظ الدين: الدين؛ في الاصطلاح: وَضْع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل.

والمقصود بـ(الدين) هنا : الدين الإسلامي المـُنزل على خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) .

وحفظ الدين يكون من جانبين: وسائل حفظ الدين من جانب الوجود :

من وسائل غرس الدين في النفوس ابتداء في الشريعة الإسلامية الوسائل التالية :

1- ترسيخ ، وهي الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقدر خيره وشره

الأول: جانب الوجود: باليقين بأصول الإيمان وأركانه والمحافظة على ما يقيم أركان الدين ويثبت قواعده وذلك بالعمل به والحكم به والدعوة إليه والجهاد من أجله والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جداً.

الثاني: من جانب العدم: وذلك برد كل ما يخالفه من الأقوال و الأعمال ومن أهم من يتوجه عليه ذلك العلماء والحكام، فالعلماء هم حراس الشريعة وحماتها والحكام هم المنفذون لأحكام الله في أهل الأهواء والبدع الخارجيين عن الدين ومن أعظمها قتل المرتد وقتالهم كما فعل الصديق.

2) حفظ النفس: والنفس؛ يُقصد بها: النفس المعصومة من القتل والمحمية من الإزهاق، وهي ثلاثة أنفس: نفس معصومة بالإسلام وتكون للمسلمين، ونفس معصومة بالجزية وتكون لأهل الكتاب المقيمين مع المسلمين في بلد واحد، ونفس معصومة بالأمان وتكون للحربي الذي يطلب من المسلمين الدخول إلى أرضهم لأغراض مدنية، ومما شرع لحفظ النفس ما يلي:

1 ـ تحريم الاعتداء عليها.

2 ـ سد الذرائع المؤدية إلى القتل.

3 ـ القصاص.

4 ـ ضرورة إقامة البينة في قتل النفس.

5 ـ ضمان النفس إما بقصاص أو دية فلا يذهب دمه هدرا.

6 ـ تأخير القصاص إذا خشي الضرر بالغير كالقصاص من الحامل.

7 ـ العفو عن القصاص من باب استبقاء نفس القاتل والحرص عليها.

8 ـ إباحة المحظورات عند الضرورة وغير ذلك مما شرع لحفظها.

9 – وجوب إقامة النفس بالطعام والشراب.

3) حفظ العقل: والعقل؛ هو: الحابس عن ذميم القول والفعل.

وهذا أمر متفق علية في بداهة العقول وقد جاءت الشرائع بالمحافظة عليه وذلك معلوم من كثرة النصوص في ذكره وكونه مناط التكليف وتحريم ما يفسده سواء كانت مفسدات حسية كالخمور والمخدرات وما شابهها أم من المفسدات المعنوية من تصورات فاسدة وأفكار هدامة وبدع ومحدثات وغيرها.

4) حفظ النسب ( النسل): والنسل في اللغة: الولد، يقال: نَسَل نَسْلاً: إذا كَثُر نَسْلُه، أي: ولده وذُرِّيته.

وقد تكلم أهل العلم في هذه الضرورة حول ثلاثة مقاصد وهي حفظ النسب والنسل والفرج، ويعتبر حفظ النسل من الانقطاع أهمها وحفظ النسب مكمل له وأما حفظ الفرج فمنهم من جعله من حفظ النسب ومنهم من جعله مقصدا مستقلاً وقيل غير ذلك.

حفظ النسل من الركائز الأساسية في الحياة ومن أسباب عمارة الأرض وفيه تكمن قوة الأمم وبه تكون مرهوبة الجانب عزيزة القدر تحمي دينها ونفوسها وتصون أعراضها وأموالها وعناية الشريعة بحفظ النسل من جانبين:

الأول: جانب الوجود وذلك بالحث على النكاح والترغيب فيه ونكاح المرأة الولود وإباحة التعدد.

الثاني: جانب العدم بمنع ما يقطعه كلية أو يقلله أو يعدمه بعد وجوده سواء في ذلك ترك النكاح و الإعراض عنه أو منع الحمل أو ممارسة الإجهاض ومما يدخل في حفظ النسب أو النسل حفظ العرض.

5) حفظ المال: والمال؛ اصطلاحاً هو: اسم لغير الآدمي، خُلِق لمصالح الآدمي وأمكن إحرازه والتصرّف فيه على وجه الاختيار، ومن ذلك : الأثمان، والبضائع، والعقارات، والحيوانات.

والمال عصب الحياة وقيام مصالحها قال سبحانهSad ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً) النساء 5، والحاجة إليه ماسة للفرد والجماعة خاصة إذا كان المقصود من المال كل ما يتموله الإنسان من متاع أو نقد أو غيره وليس خاصا بالنقدين فالمال لازم لتوفير متطلبات الشخص الخاصة به وبأسرته وكذلك حاجة الأمة العامة وكذلك الدفاع عن دين الله واستغناء الأمة عن أعدائها وتسلطهم عليها لفقرهم ومقصود المال هو قيام مصالح الدين والدنيا وليس المفاخرة به وكنزه وحصول المباهاة. وحفظه من جانبين:

الأول: من جانب الوجود، وذلك بالحث على الكسب والعمل في سائر أصناف المداخل المباحة.

الثاني: من جانب العدم وذلك بالمحافظة على المال بعد الحصول عليه بدرء الفساد الواقع عليه أو المتوقع بتحريم الاعتداء على المال وتحريم إضاعته وتبذيره وتحريم الربا والرشوة وإقامة حد السارق والمحارب والتعزير وضمان المتلفات وتوثيق الديون والإشهاد عليها وتعريف اللقطة وحفظ الودائع وأداء الأمانات وغير ذلك.

ترتيب المقاصد السابقة:

أولا: تقديم الدين على غيره من الكليات وهذا مذهب جمهور الأصوليين إذ هو غاية خلق الجن والإنس و به سعادة الدنيا والآخرة.

ثانيا: ترتيب الضروريات الأخرى: تقديم النفس على غيرها من الضروريات الأخرى، وقد اتفق الأصوليون الذين رتبوا هذه المقاصد على تقديم النفس على بقية الأمور الأخرى.

ثالثاً: تقديم بقية الأمور على قولين:

الأول: بين النسل والعقل فقدم الآمدي وابن الحاجب وغيرهما قدموا النسب على العقل وقدم ابن السبكي وصاحب مراقي السعود العقل على النسب قال في المراقي:

دين ونفس ثم عقل نسب مال إلى ضرورة ينتسب
الثاني: في الترتيب بين العرض والمال فقدم بعضهم العرض وقيل العكس والذي يظهر أن العرض على قسمين:

- منه ما يرجع إلى حفظ النسب فهذا مقدم على المال.

- ومنه ما لا يرجع إلى حفظ النسب كشتم الإنسان بغير القذف كوصفه بالبخل والظلم فهذا لا يقدم على المال.

ثانيا: الحاجيات:

1- تعريفها: هي ما كان مفتقرا إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوات المطلوب.

والمقصود أنها إذا لم تراع دخل على المكلفين من الحرج والمشقة والعنت ما يشوش عليهم عباداتهم ويعكر صفو حياتهم ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد واختلال نظام الحياة وتعطيل المنافع الحاصل من الضروريات. ومن أمثلتها: الرُّخَصُ المخفِّفَة؛ كالفطر زمن وجوب الصيام بسبب المرض أو السفر، ومثل: إباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلال.

2- أدلة رفع الحرج والمشقة:

الأدلة كثيرة جداً في القرآن والسنة وعلى سبيل المثال قوله تعالىSad وما جعل عليكم في الدين من حرج) الحج 78، وقوله تعالىSad يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) البقرة 185، هذا من حيث العموم، وأما من حيث الخصوص فأحكام التيسير المعروفة في أبواب الفقه كإباحة التيمم عند تعسر الماء للمريض والمسافر وسائر الرخص المعروفة في المعاملات من رهن وسلم وإجارة وغير ذلك.

3- غاية وجود المقاصد الحاجية: تتلخص مقاصد الحاجيات في الأمور التالية:

أ- رفع الحرج عن المكلف لسببين:

الأول: الخوف من الانقطاع عن الطريق ونقص العبادة وكراهة التكلف ودخول الفساد على الناس.

الثاني: خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد.

ب- حماية الضروريات بدفع ما يمسها ويؤثر فيها.

ج- خدمة الضروريات بتحقيق ما به صلاحها وكمالها إذ يلزم من اختلال الحاجي اختلال الضروري بوجه ما.

د- تحقيق مصالح أخرى كاستثناء القيام للصلاة في حق المريض والفطر في السفر والجمع بين الصلاتين في السفر والصلاة في البيت للخوف والمطر ونحوه مما فيه تحقيق بعض المصالح.

ثالثا: التحسينيات:

1 - تعريفها: قال الشاطبي: هي الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تألفها العقول الراجحات ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق.

وقال الرازي رحمه الله: هي تقرير الناس على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم.

2- أقسامها: تنقسم التحسينيات إلى قسمين:

الأول: ما لا يقع في معارضة قاعدة شرعية:

ولذلك أمثلة منها:

أ ـ تحريم النجاسة فإن نفرة الطباع عنها لخساستها مناسب لتحريمها فشرب البول حرام وكذا الخمر حرام، ورتب الشارع الحد على الثاني دون الأول لنفرة النفوس منه فوكلت إلى طباعها، مع أن نفور النفس لا يقتضي التحريم، وإنما المرجع إلى الشرع.

ب ـ إزالة النجاسة لأنها مستقذرة في الجبلات واجتنابها من المهمات وبقاؤها أمر يأنف منه العقلاء وبالجملة فكل ما يرجع إلى طهارة الثوب والبدن والمكان في الصلاة وخارجها مما دعا إليه الإسلام قال تعالى:(إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) البقرة 222.

ج ـ أخذ الزينة كما في قوله تعالى:(يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) الأعراف 31، والمقصود ستر العورة كما هو معلوم في سبب نزولها لكن أخذ الزينة أعم من ستر العورة.

د ـ آداب الأكل والشرب سواء كانت سابقة أو مقارنة أو لا حقه كالتسمية قبله و الأكل باليمين والحمد والثناء بعده وهذه من العادات الحسنة.

هـ ـ في باب المعاملات كالمنع من بيع النجاسات لأنة يستلزم مباشرتها ووزنها وكيلها ونحوه مما لا يليق وبيع فضل الماء لأنه مشعر بالبخل والأنانية وهما لا يليقان بالمسلم ومنع المرأة من مباشرة عقد النكاح لأنه مشعرٌ بقلة الحياء وتوقانها إلى الرجال مما قد يجعل الرجل يرغب عنها من ذلك حملاً للخلق على أحسن المناهج وأجمل السير.

الثاني: ما يقع في معارضة قاعدة شرعية:

ومثاله: المكاتبة فإنها غير محتاج إليها إذ لو منعت لم يحصل بذلك ضرر ولكنها شرعت لما فيها من تكريم بني آدم وفك الرقبة وهو مستحسن عادة.

وجه مخالفة المكاتبة للقواعد الشرعية:

أن العبد مال لسيده وما يكسبه مال لسيده أيضاً فتكون المكاتبة أن يبيع السيد ماله بماله فلو حكم على المكاتبة بالقاعدة الجارية في نظائرها وهي امتناع بيع الإنسان ماله بماله لحكم بعدم الجواز لعدم الفائدة لأنه يمتلك ما يملك بما يملك وهو تحصيل حاصل لأنه عبث خال عن الفائدة ينزه عنه العاقل.

ومن جهة أخرى أن البيع لا بد فيه من وجود عاقدين حقيقية أو حكما ولا وجود هنا إلا لواحد

3 ـ أهمية المصالح التحسينية: تظهر أهميتها من الوجوه التالية:

1 ـ أن بها جمال الأمة وكمالها وحسن أخلاقها وبديع نظامها.

2 ـ أن التحسينيات تخدم الضروريات والحاجيات سواء كانت قبلها أو مقارنة لها أو بعدها.

3 ـ أنه يلزم من اختلال التحسيني اختلال الحاجي بوجه ما.

4 ـ أن التحسينيات كالفرع للأصل الضروري ومبنية عليه لأنها تكمل ما هو حاجي أو ضروري.

رابعاً: المكملات:

1 ـ تعريفها: ما يتم به المقصود أو الحكم من الضروري أو الحاجي أو التحسيني على أحسن الوجوه وأكملها سواء بسد ذريعة تؤدي إلى الإخلال بالحكمة بوجه ما، أم بتكميله بحكم يظهر به المقصد ويقوى به.

وهذا ما يسمى عند الأصوليين بالمكملات أو التتمات أو التوابع.

2 ـ أقسامها: المكملات على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: مكملات الضروريات: وهي ما يتم بها حفظ مقصد ضروري ومثالها:

1 ـ تحريم البدع وعقوبة المبتدع حفظاً للدين.

2 ـ التماثل في القصاص تكميلا لحكمة القصاص على أحسن الوجوه وأتمها فتنتفي المفاسد وتتحقق المصالح لأن عدم التماثل سبب الأحقاد والعداوات وتوارث العصبية.

3 ـ تحريم القليل من المسكر تكميلاً لتحريم المسكرات لحفظ العقل.

4 ـ تحريم النظر إلى الأجنبية لأنه مقدمة للزنا وداعية إليه وكذلك تحريم الخلوة بالأجنبية.

5ـ الإشهاد في البيوع والرهن تكميلاً لحفظ المال من الضياع وكذلك كتابة الدين والضمان ونحوه.

القسم الثاني: مكملات الحاجيات: وهي ما يتم بها حفظ مقصد حاجي ومثالها:

1) اعتبار الكفء ومهر المثل في الصغيرة فإن مقصود النكاح حاصل بدونها لكن اشتراط ذلك أشد إفضاءً إلى دوام النكاح وتكميل مقاصده.

2) خيار البيع مع أن الملك حاصل بدونه لكن ما ملك بعد التروي والنظر في أحواله أتم وأقوى لبعده عن الغبن والتدليس.

القسم الثالث: مكملات التحسينيات: وهي ما يتم بها حفظ مقصد تحسيني و مثالها: مندوبات الطهارة من البدء باليمين والغسل ثلاثاً ونحوه ففيه زيادة تحسين وتكميل لأصل الطهارة مع أن أصل التحسين يحصل بالطهارة كيفما كانت.

3 - وظيفة المكملات:

يمكن تلخيص وظيفة المكملات في الأمور التالية:

1ـ سد الذريعة المؤدية إلى الإخلال بالحكمة المقصودة من الضروري أو التحسيني كما في تحريم القليل من المسكر.

2 ـ تحقيق مقاصد أخرى تابعة غير المقصد الأصلي كاشتراط الكفارة ومهر المثل السابق تحقيقاً للمحبة والوئام بين الزوجين.

3 ـ دفع مفاسد أخرى حاصلة في طريق الحصول على المقصد الأصلي وقد سبق بيانها في اشتراط المماثلة في القصاص.

4 ـ تحسين صورة المكمل وجعله سائراً على المألوف.

4 - شرط المكمل:

يشترط في المكمل ألا يعود على أصله بالإبطال فكل تكملة عادت على أصلها بالأبطال فلا يصح اشتراطها لأن إبطال الأصل إبطال للتكملة ولأن حصول الأصلي أولى مثال ذلك:

1) حفظ النفس من الضروريات وحفظ المروءات مستحسن فحرمت النجاسات حفظاً للمروءات وإجراءاً لأهلها على محاسن العادات فإن دعت الحاجة إلى إحياء النفس بتناولها النجاسات كان تناولها أولى ولا نحرمها من باب حصول التحسينيات.

2) البيع ضروري ومنع الجهالة مكمل فلو اشترط نفي الضرر جملة لا نحسم باب البيع فلا بد من إباحة بعض الضرر اليسير الذي لا يؤثر.

3) حفظ النفس مع ستر العورة فلا يضر كشفها عند الحاجة للدواء حفظا للنفس وإلا أدى إلى إبطال الأصل.

4) الجهاد ضروري وشرط عدالة الإمام مكمل فلو ترك الجهاد بسبب ظلمه تعطل الأصل لذا قال العلماء بالجهاد مع أئمة الجور حتى لا يؤدي إلى ضرر عظيم بالمسلمين فيبطل الأصل ومثله الصلاة خلف أئمة الجور.

5 - أثر اختلال كل من الأصل والتكملة على الآخر:

- أثر اختلال الأصل على التكملة:

إذا اختل الأصل أدى ذلك إلى اختلال الفرع ومثال ذلك ارتفاع القصاص يرفع الفرع وهو المماثلة في القصاص وإذا سقط عن المغمى عليه أو الحائض أصل الصلاة سقطت الوسيلة من طهارة وقراءة إلا في إحدى حالتين:

أ) إذا كان للوسيلة اعتباران فمن جهة هي مقصودة ومن جهة هي وسيلة كالوضوء وقراءة القرآن في الصلاة.

ب) إذا كانت الوسيلة وسيلة لمقصد آخر كالوضوء إذا ارتفعت الصلاة ولا يرتفع لكونه وسيلة لمقاصد أخرى كتلاوة القرآن ومس المصحف والطواف.

- أثر اختلال التكملة على الأصل: لها حالتان:

الأولى: أن تختل بإطلاق: أي لا يأتي المكلف بشيء منها أو يأتي بشيء يسير منها فيؤدي ذلك إلى اختلال الأصل بوجه ما لأن الجرأة على ترك الوسيلة والمكمل ربما أدى إلى الجرأة على الأصل ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه فالمكمل كالنافلة للفرض ومجموعة المكملات فرد من أفراد الأصل وخادم له.

الثانية: أن تختل التكملة بوجه ما حيث يأتي بالمكمل ويدع بعضه بوجه ما ويكون ما أتى به أكثر فهذا لا يقدح بالأصل ولا يدخل الخلل عليه.

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: تابع للمحاضرات في مقاصد الشريعة   الجمعة 25 مايو 2012 - 17:02

القسم الثاني: أقسام المقاصد باعتبار مرتبتها في القصد:

تنقسم المصالح بهذا الاعتبار إلى قسمين:

الأول: مقاصد أصلية: وهي التي لا حظ فيها للمكلف وترجع إلى حفظ الضروريات وقسم الشاطبي رحمه الله تعالى الضروريات إلى قسمين:

1 ـ ضروريات عينية: وهي الواجبة على كل مكلف في نفسه فهو مأمور بحفظ دينه ونفسه وعقله وماله ونسله، وإن حصل له حظ فمن جهة أخرى تابعة لهذا المقصد الأصلي.

2 ـ ضروريات كفائية وهي التي بها قيام المصالح العامة واستقامة نظام المجتمع.

الثاني: مقاصد تابعة: وذلك أن كل مقصد أصلى لا يخلو من مقصد آخر إما أن يكون باعثاً على تحقيقه أو مقترناً به أو لاحقاً له سواءً من جهة الأمر الشرعي أو من جهة المكلف ومقصده في مجارى العادات.

ـ من جهة الأمر الشرعي:

وذلك كتوقف المقصود الأصلي على تلك المقاصد التابعة من حيث حصولها فتكون بمثابة الشرط والسبب أو الجزء بالنسبة للمقصود الأصلي، وذلك كالصلاة فطلبها يقتضي طلب كل ركن وشرط يتوقف صحتها عليه.

ـ من جهة قصد المكلف:

وهو ما يقصده المكلف من المقاصد في الأمر الشرعي فما يتحقق له من المقاصد تبعاً قد يكون مقصود للشارع وقد لا يكون كالنكاح فقد يتزوج المرأة للنسل أو للجمال أو المال ونحوه، وقد خص الشاطبي رحمه الله تعالى المقاصد التابعة بالمقاصد التي روعي فيها حظ المكلف دون ما يتعلق بالضروريات والمصالح العامة فهذه مقاصد أصلية.

وفي باب العبادات جعل ضابطها المنافع الدنيوية أما المنافع والفوائد الأخروية فهي من المقاصد الأصلية كالانقياد والخضوع لله تعالى.

أقسام المقاصد التابعة: تنقسم المقاصد التابعة باعتبار تأكيدها للمقاصد الأصلية إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ما يقتضي تأكيد المقاصد الأصلية وتقويتها وربطها والوثوق بها وحصول الرغبة فيها فهذا القسم مثبت للمقاصد الأصلية ومقوٍ لحكمتها ومستدعٍ لطلبها وإدامتها ومثاله النكاح فهو مشروع للتناسل على القصد الأول ويليه السكن والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية من الاستمتاع بالحلال ونحوه مما يؤدي إلى رغبة كل من الزوجين في الآخر وحصول النسل وهذه تعتبر مقصودة للشارع لأنها تؤكد المقصود الأصلي.

الثاني: ما يقتضي زوال المقاصد الأصلية عيناً ومثاله نكاح التحليل والمتعة فهما يقتضيان زوال المقصود الأصلي من النكاح عيناً الذي هو النسل ودوام النكاح فهذه ممنوعة.

الثالث: ما لا يقتضي تأكيداً ولا يقتضي رفع المقاصد الأصلية وذلك كنكاح القاصد لمضارة الزوجة أو لأخذ مالها ونحوه مما يقتضي مواصلة ولا يقتضي عين المقاطعة إذ لا يلزم من قصد المضارة وقوعها ولا وقوع الطلاق لجواز الصلح أو الحكم على الزوج أو زوال قصد المضارة. فهذا القسم متردد بين القسمين وهو من جهة يلحق بالأول من وجه وبالثاني من وجه آخر وهذا محل اجتهاد ونظر.

الفروق بين المقاصد التابعة والأصلية:ـ

من أهم الفروق بين المقاصد الأصلية والتابعة ما يلي:

1- أن مراعاة المقاصد الأصلية موافقة ومطابقة لمقصود الشارع إذ أن قصده إخراج المكلف من داعية هواه حتى يكون عبداً لله بخلاف التابعة فهي من حظوظ المكلف ومحصلة لمراده.

2- مراعاة المقاصد الأصلية أقرب إلى الإخلاص وصيرورة العمل عبادة وأبعد عن مشاركة الحظوظ والأغراض الدنيوية وذلك لأن مراعاة مقصود الشارع والمصالح العامة لا يقوم به إلا من ابتغى وجه الله تعالى وهذا بخلاف من يعمل لمصلحته الشخصية وإن كان ذلك يتحصل له من مطابقة الأمر الشرعي، لكنه فرق بين من يصوم لحفظ صحته ومن يصوم تعبداً ومن يصوم للأمرين.

3- أن البناء على المقاصد الأصلية يصير تصرفات المكلف عبادات ولو كانت عادات وذلك أن المكلف إذا فهم مراد الشارع من قيام أحوال الدنيا وعمل بمقتضى ذلك فهو يعمل حينما يطلب منه العمل و العكس.

4- أن البناء على المقاصد الأصلية ينقل الأعمال في الغالب إلى أحكام الوجوب إذ المقاصد الأصلية دائرة على حكم الوجوب من حيث كانت حفظاً للأمور الضرورية في الدين بينما التابعة هي من المباحات.

5- العمل على وفق المقاصد الأصلية يتضمن تحقيق كل ما قصده الشارع في الأمر من جلب المصالح ودرء المفاسد فإذا راعاه المكلف حصلت المصالح العامة التي أرادها الشرع بخلاف من يعمل لحظ نفسه فإنه يقتصر على مصلحته الخاصة فإذا حصلت لم يلتفت إلى سواها.

6- العمل على وفق مقصد الشارع وتحقيق ما يريد يصير الطاعة أعظم وإذا خولفت كانت معصيتها أعظم فتحصيل المصالح العليا للشرع من أعظم المقاصد وتضييعها من أخطر الأمور، والعامل وفق المقاصد الأصلية يعمل على إصلاح جميع الناس والدفع عنهم وهكذا من يعمل على مخالفتها فهو بالعكس كابن آدم الأول فهو أول من سن القتل ولذا كانت الأجور تختلف باختلاف رتب المصالح فأجر الإمام الأعظم أفضل من أجر المفتي والحاكم لما يجلبه من المصالح ويدرؤه من المفاسد بخلاف أئمة الجور فهم أسوأ الناس لما يجلبوه من المفاسد.

7- المقاصد الأصلية هي الأصل والتابعة كالخادم والمكمل والمقوي لحكمتها والداعي إليها حيث جعل الله تعالى وهو أحكم الحاكمين قيام الدين والدنيا إنما يستمر بدواع من قبل الإنسان تحمله على اكتساب ما يحتاج إليه هو وغيره فالحاجة إلى الطعام والشرب والشهوة إلى النساء ونحوه تجعله يعمل للوصول إلى ذلك فتتحقق المصالح العامة.

8- أن المقاصد الأصلية واجبة ولو على الكفاية أما التابعة فالأصل أن حكمها الإباحة إلا إذا كانت وسيلة فلها حكم المتوسل إليه.

9- أن المقاصد الأصلية تأكد طلبها بخلاف التابعة فلم يتأكد فيها الطلب كالمقاصد الأصلية لأن الناس مجبولون على نيل حظوظهم فاكتفي الشارع بالدافع الطبعي عن الأمر الشرعي ولم يؤكدها إلا إذا تعلق بها حق للغير.

القسم الثالث: أقسام المقاصد باعتبار الشمول:

تنقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام وهي:

1) المقاصد العامة 2) المقاصد الخاصة 3) المقاصد الجزئية

أولاً: المقاصد العامة:

1) تعريفها: هي الغايات و الأهداف التي جاءت الشريعة بحفظها ومراعاتها في جميع أبواب التشريع ومجالاته.

2) شروطها: يرى محمد بن عاشور للمقاصد العامة الشروط الآتية:

1. أن تكون ثابتة بمعنى أن تحقيقها للمصلحة مجزوماً به أو مظنوناً ظناً قريباً من الجزم.

2. أن تكون ظاهرة أي واضحة لا يختلف في تحديدها والاعتداد بها.

3. أن تكون منضبطة أي لها حد معتبر لا يتجاوزه ولا يقصر عنه.

4. الاطراد فلا تختلف باختلاف الأقطار والأعصار.

3) أنواعها: هي مقاصد كثيرة ومنها:

المقصد الأول: جلب المصالح ودرء المفاسد:

1) تعريفه: المصلحة كالمنفعة وزنا ومعني، والصلاح هو الخير والصواب في الأمر والمفسدة ضد المصلحة وهي الشر والضر والمقصود بها كما يقول الغزالي رحمه الله تعالى: (هي عبارة عن جلب منفعة أو دفع مفسده)، والمقصود بذلك: المصلحة التي تحافظ على مقصود الشرع وليس أي مصلحة فمصالح الخلق فيما بينهم كثيرة.

2) شمول هذا المقصد: مقصد جلب المصلحة ودرء المفسدة هو أعم مقصد من مقاصد الشريعة وكل ما عداه فهو داخل تحته غير خارج عنه لما يلي:

أ ـ عموم لفظ المصالح والمفاسد فالشريعة جاءت بكل خير ومنفعة ونهت عن كل شر وضر وفساد.

ب ـ أن المقصود بالمصالح هنا مصالح الدنيا والآخرة ، وهذا هو أسلوب القرآن حيث يرتب على العبادة من مصالح الدنيا كقوله تعالىSad إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) العنكبوت 45، وقوله تعالىSad قد أفلح المؤمنون..) إلى قوله: ( أولئك الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) المؤمنون 1 - 11، وعلى هذا فالتيسير ورفع الحرج ودفع المشقة كله داخل تحت قاعدة جلب المصالح.

3) أقسام المصلحة ثلاثة:

1 ـ معتبرة وهي التي دل الشرع على اعتبارها

2 ـ ملغاة وهي التي دل الشارع على إلغائها

3 ـ مرسلة وهي التي لم يرد فيها دليل اعتبار ولا إلغاء

من أهم الضوابط للمصالح المطلوبة شرعاً ما يلي:

1) أن تكون المصلحة شرعية: أي أن يكون تحديد كونها مصلحة معتبر شرعا لا أن تحدد بحسب الأهواء قال الشاطبي - رحمه الله -: إن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه والذي يخفى عليه أكثر من الذي يبدو له فقد يكون ساعيا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها أو يوصله عاجلاً لا آجلاً أو يوصل إليها ناقصة لا كاملة أو يكون فيها مفسدة تربو في الموازنة على المصلحة.

أدلة ذلك:

أ) أن الشريعة جاءت لإخراج المكلفين من دواعي أهوائهم حتى يكونوا عباداً لله وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس وطلب منافعها العاجلة.

ب) أن عامة المنافع والمضار إضافية لا حقيقية أي أنها منافع أو مضار في حال دون حال وبالنسبة لشخص دون شخص وفي وقت دون وقت فقد يكون الشيء منفعة في زمن، مضرة في زمن آخر أو مضرة لشخص منفعة لآخر فلو كانت تتبع أهواء النفوس لكانت مطلوبة في كل حال وفي حق كل شخص.

ج) أن الأغراض في الأمر الواحد تختلف بحيث إذا نفذ غرض بعض وهو منتفع به تضرر آخر لمخالفة غرضه فحصول الاختلاف في الأكثر يمنع أن يكون وضع الشريعة على وفق الأغراض وإنما يناسب وضعها على وفق المصالح مطلقا وافقت الأغراض أو خالفتها.

2) أن مصلحة الدين أساس للمصالح الأخرى ومقدمة عليها وعليه فيجب التضحية بما سواها مما يعارضها من المصالح الأخرى، أي إلغاء كل مصلحة تعارض الدين إذ هو أساس المصالح فالدين أصل والمصلحة فرع عنه فلا يكون الدين تابعاً لمصالح الناس وأهوائهم وهو لا يضيع مصلحة معقولة أبداً إلا إذا عارضها ما هو أعظم مفسدة منها وعليه فهنا أمران تجب مراعاتهما:

الأول: عدم جواز بناء حكم على مصلحة إذا كان في ذلك مخالفة لنص كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح.

الثاني: لا يصح للخبرات العادية والموازين العقلية التجريبية أن تستقل وحدها بفهم المصالح فلا يجوز الاعتماد على ما يراه علماء الاقتصاد أن الربا لابد منه لتنشيط الحركة التجارية ولا الاعتماد على ما يقوله علماء النفس من أن الجمع بين الجنسين في مرافق المجتمع يهذب من الخلق ويخفف من الشهوة والميل إلى الجنس الآخر وإلا كانت الشريعة محكومة بخبرات الناس وعاداتهم تابعة غير متبوعة، بل هي الميزان الصحيح لكل مصلحة ولا يعني ذلك أن الشريعة أهملت ما فيه مصلحة الناس أو أهملت النظر في خبرات الناس وتجاربهم وتقرير ما يرونه مصلحة فإن الشريعة لم تهمل ذلك بل جعلت له مجالا معينا وهو:

أ) عند فقد النص الشرعي وعدم معارضة المصلحة للنصوص فتبنى المصلحة حينئذ على ما تعارفه الناس.

ب) أن يكون ذلك في حدود العادات والمعاملات لا في مجال العبادات لأنها موقوفة على النص.

3) المصلحة المعتبرة شرعا هي المصلحة الغالبة في حكم الاعتياد وكذلك المفسدة، فإذا كانت المصلحة غالبة عادة فهي المعتبرة في الأمر و إذا كانت المفسدة هي الغالبة في العادة فهي المقصود في النهي وهكذا فالمقصود هو ما غلب في المحل وما سواه ملغي ومن ضوابط المصلحة المرسلة أيضاً:

أ) ملاءمتها لمقاصد الشريعة.

ب)عدم معارضة النصوص من الكتاب والسنة والإجماع.

ج)عدم تفويت مصلحة أهم منها.

د)أن تكون في باب المعاملات.

هـ)أن تكون عامة.

تعارض المصالح والمفاسد:

أ) تعارض المصالح: إذا اجتمعت عدة مصالح فإن للمجتهد فيها المسالك التالية:

الأول: تحصيل جميعها إذا أمكن ذلك فهو أولى من تحصيل البعض وتفويت البعض.

الثاني: إذا لم يمكن تحصيلها جميعاً قدم أهمها و أكملها وأشدها طلباً للشارع.

الثالث: الترجيح بينها عند ذلك كما إذا تساوت أو أشكل على المجتهد أمرها كالتالي:

1- النظر إلى ذات المصلحة فالضرورية مقدمة على الحاجية والحاجية على التحسينية..وهكذا.

2 - النظر إلى شمول المصلحة فتقدم المصلحة العامة على الخاصة.

3- النظر إلى مدى توقع حصول المصلحة وعدمه فما كانت قطعية في وقوعها مقدمة على الظنية الوقوع.

ب) تعارض المفاسد: وبنفس الطريقة السابقة تنعكس على المفاسد فإن أمكن تفويتها جميعاً فهو أولى وإلا فإنه يدرأ أعظمها ضرراً وأشدها فساداً وهكذا، وذلك بناءً على القواعد التالية:

القاعدة الأولى:ـ (تقديم المفسدة المجمع عليها على المفسدة المختلف فيها)

القاعدة الثانية:ـ (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما)

القاعدة الثالثة:ـ (يتحمل الضرر الخاص بدفع الضرر العام) قال العز بن عبد السلام- رحمه الله تعالى (فإن تساوت فقد يتوقف وقد يتخير).

ج) تعارض المصالح والمفاسد: إذا حصل تعارض بين المصالح والمفاسد فإننا نسلك الطرق التالية:

1- أن يمكن تحصيل المصلحة ودرء المفسدة فهو أولى.

2 - أن تكون المصلحة كبرى والمفسدة صغرى فتحصل المصلحة وتتحمل المفسدة كالجهاد.

3- أن تكون المصلحة صغرى والمفسدة عظمى فتدرأ المفسدة وتفوت المصلحة كالربا.

4- عند التساوي فإن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.



المقصد الثانيSad التيسير ورفع الحرج):

وهو من المقاصد المقطوع بها في الشريعة وهو من المقاصد العامة في جميع نواحي الشريعة ويتلخص الكلام على هذا المقصد في النقاط التالية:

1- تعريف رفع الحرج: الحرج لغة الضيق والشدة . وفي الاصطلاح: كل ما يؤدي إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالاً أو مآلاً، والمقصود برفع الحرج إزالة ما يؤدي إلى المشقة.

2- أدلة رفع الحرج في الشريعة:

أ) قوله تعالى:(ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) المائدة 6.

ب) وقوله تعالى:(وما جعل عليكم في الدين من حرج) الحج 78.

ج) وقوله تعالى:(ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) التوبة 91، وغيرها كثير.

د) قوله صلى الله عليه وسلم:(إن هذا الدين يسر) خ، وأمثاله كثير.

هـ) التتبع والاستقراء لنصوص الشريعة يدل دلالة قطعية على هذا المقصد.

3- مظاهر رفع الحرج في الشريعة:

إن السمة البارزة في أحكام الشريعة اليسر والسهولة وهذا الأمر يزداد وضوحا بالوقوف على المظاهر التالية:

أ) أن الله تعالى وضع عن هذه الأمة الإصر والأغلال التي كانت على من قبلهم( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) الأعراف 157.

ب) أن الله تعالى لم يكلفهم ابتداءً مالا يطيقون(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) .

ج) شرعية الرخص في الأحوال الطارئة التي تقع فيها مشقة غير معتادة لسبب عارض كالسفر أو المرض، وهي على سبعة أقسام:

1- تخفيف إبدال كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم والقيام بالقعود في الصلاة والصيام بالإطعام.

2- تخفيف تقديم كالجمع بين الصلاتين وتقديم الزكاة على الحول والكفارة على الحنث

3- تخفيف تنقيص كتخفيف الصلاة عن المسافر.

4- تخفيف إسقاط كإسقاط الجمعة والحج والعمرة والجهاد لأصحاب الأعذار.

5- تخفيف تأخير كتأخير الصلاة وتأخير صيام رمضان للمريض والمسافر.

6- تخفيف ترخيص كصلاة المستجمر مع بقية أثر النجو.

7- تخفيف تغيير كتغيير نظم الصلاة في الخوف.

4- شمول رفع الحرج للعبادات والمعاملات وغيرها:

فالأصل في المنافع الحل والأصل في التعامل بين الناس الإباحة وكذلك ما ورد من الاستثناءات الشرعية كالإجارة والسلم والعرايا ونحوه مراعاة لحاجة الناس ورفع الحرج عنهم.

5 - تنبيهات وضوابط في رفع الحرج:

1- الشارع لم يقصد التكليف بالشاق والإعنات فيه.

2- المشقة المصاحبة للتكاليف الشرعية يلاحظ عليها أربعة أمور:

الأول: أنها مشقة عادية يمكن تحملها والاعتياد عليها بل يقطع أرباب العقول والعادات أن المنقطع بسببها كسلان ويذمونه بذلك.

الثاني: أن هذه المشقة ليست مقصودة للشارع لذاتها بل لما في ذلك من المصالح العائدة على المكلف كالطبيب يقصد الشفاء بالدواء المر.

الثالث: أن هذه المشقة لا توجب الترخيص ولا أثر لها في إسقاط العبادات.

الرابع: أن الله عز وجل يثيب المكلف على تلك المشقة وإن كان لا دخل له في اكتسابها كما يثيبه على المصائب، قال تعالى(ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله...) التوبة 120.

3- أن المشقة غير العادية ليست لازمة للعبادة ولكن قد تلحق بها لعارض من مرض أو سفر فهذه توجب التخفيف وهذه وضع لها العلماء قاعدةSad المشقة تجلب التيسير)، وهناك مقاصد عامة أخرى كعبادة الله والعدل والاجتماع والائتلاف.

ثانياً: المقاصد الخاصة:

وهي الغايات الخاصة بباب من أبواب الشريعة أو أبواب متحدة لمقصد العبادات والمعاملات والجنايات وهذه أمثلة لها:

أ) مقاصد العبادات: الخضوع لله تعالى والتوجه إليه والتذلل بين يديه وحصول الانقياد لأمره ونهيه وعمارة القلب وحسن الصلة به.

ب) مقاصد المعاملات: تحقيق مصالح العباد وتكميل بعضهم بعض وتوفير حاجاتهم ودفع المشقة عنهم.

ج) مقاصد الجنايات والحدود: التكفير لأصحابها كما في حديث عبادةSad فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له) وكذلك حصول الزجر عن اقترابها ومعاودتها.

ثالثاً: المقاصد الجزئية:

وهي الغايات المتعلقة بمسألة معينة دون غيرها كالوضوء والصلاة والإجارة والسلم ونحوه، وقد لقي هذا النوع عناية فائقة من أهل العلم واستقصاء ذلك قد يطول ولكن من شاء الاطلاع على ذلك في مظانها فليراجعها في الكتب التالية:

1- كتب الفقه وشروح الأحاديث فكثيراً ما تشير إلى الحكمة من حكم من الأحكام ومقصد جزئي منه.

2- كتب المصالح مثل كتاب العز بن عبد السلام ومختصر المقاصد ومقاصد الصوم والصلاة، وكتب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ونحوها.

3- الكتب المؤلفة في محاسن الشريعة والبحث عن حكمتها ومن أمثلتها:

أ) محاسن الإسلام لمحمد بن عبد الرحمن البخاري.

ب) حجة الله البالغة للدهلوي.

ج) حكمة التشريع وفلسفته للجرجاني.

القسم الرابع: باعتبار محل صدورها ومنشئها:

وهي على قسمين:

1. مقاصد الشارع: وهي التي قصدها الشارع من وراء أمره ونهيه، وهي الغايات الحميدة والأهداف العظيمة التي أراد الله حصولها من جلب المصالح ودرء المفاسد

2. مقاصد المكلف: وهي الأهداف التي يقصدها المكلف من اعتقاداته وأفعاله، والتي تميز بين القصد الصحيح والفاسد، وبين العبادة والعادة.

القسم الخامس: باعتبار وقتها وزمن حصولها:

وهي قسمان:

1. المقاصد الأخروية: وهي ترجع إلى تحصيل مصالح تتعلق بالآخرة أولاً في الغالب ولا يمنع أن تؤدي إلى مصالح دنيوية كالتعارف في الحج والنهي عن الفحشاء والمنكر في الصلاة والتكافل والمحبة في الزكاة والفوائد الصحية وغيرها في الصيام

2. المقاصد الدنيوية: وهي ما ترجع إلى مصالح تتحقق وتوجد في الدنيا، أو دفع مفاسد كذلك وهي المذكورة في التقسيم الأول.

القسم السادس: باعتبار القطع والظن:

وهي ثلاثة أقسام:

1. مقاصد قطعية: وهي التي تواترت على إثباتها طائفة عظمى من الأدلة الشرعية كالتيسير ورفع الحرج وإقامة العدل والضروريات الخمس.

2. مقاصد ظنية: وهي التي تقع دون مرتبة القطع وتختلف حولها الأنظار كتحريم القليل من النبيذ الذي يغلب على الظن إفضاؤه إلى الإسكار، وتطليق زوجة المفقود وضرب المتهم بالسرقة للإقرار وتوريث المطلقة ثلاثاً في مرض الموت.

3. المقاصد الوهمية: وهي التي يتوهم أن فيها مصلحة أو دفع مفسدة والحقيقة أنها خلاف ذلك، ومثالها: المصلحة الموهومة في الربا والاختلاط بين الجنسين.

القسم السابع: باعتبار تعلقها بعموم الأمة وأفرادها:

وهي على ثلاثة أقسام:

1. مقاصد كلية: وهي ما تتعلق بالخلق كافة ويعود نفعها على عموم الأمة كحفظ القرآن والسنة من التبديل، وإقامة العدل وتقرير مكارم الأخلاق، وقتل المبتدع الداعي إلى بدعته إذا غلب على الظن ضرره.

2. مقاصد أغلبية: وهي التي تتعلق بأغلب الخلق وتدفع الفساد عن معظمهم مثل تضمين الصناع وحفظ المال في المصارف الإسلامية والعلاج في المستشفيات ونحوه.

3. مقاصد خاصة أو فردية: وهي العائدة على فرد معين وربما في حالة نادرة مثل مصلحة فسخ نكاح زوجة المفقود ، وانقضاء عدة من تباعدت حيضتها بالأشهر، وتوريث المطلقة ثلاثاً في مرض الموت.

القسم الثامن: باعتبار حظ المكلف وعدمه:

وهي على قسمين:

1. مقاصد أصلية: وهي التي لا حظ فيها للمكلف كالضروريات الخمس، ومعنى عدم حظه فيها أنه ملزم بحفظها رغماً عنه والدليل أنه لو فرض اختيار العبد خلاف ذلك لحجر عليه وحيل بينه وبين اختياره، وهي مقاصد ضرورية عينية وكفائية.

2. مقاصد تبعية: وهي التي روعي فيها حظ المكلف أي يحصل له بها ما جبل عليه من نيل الشهوات والتمتع بالمباحات .

القسم التاسع: من حيث كونها اعتبارية أو حقيقية:

وهي على قسمين:

1. مقاصد حقيقية: وهي التي لها تَحَقُّق في نفسها بحيث تُدْرِك العقول السَّلِيْمة ملائمتها للمصلحة أو منافرتها لها، كإدراك كَوْن العدل نافعاً، وكون الاعتداء على النفوس ضاراً، وكون الأخذ على يدِ الظالم نافعاً لصلاح المجتمع.

2. مقاصد عرفية عامة: وهي المُجَرَّبات التي أَلِفَتْها نفوس الجماهير، واستحسنها استحساناً ناشئاً عن تجربة ملائمتها لصلاح الجمهور، كإدراك كَوْن الإحسان معنىً ينبغي تعامل الأمة به، وكإدراك كَوْن عقوبة الجاني رادعة إياه عن العَوْد إلى مثل جنايته.

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: تابع لمحاضرات مقاصد الشريعة   الجمعة 25 مايو 2012 - 17:06

خصائص مقاصد الشريعة:

أولاً: خصائص المقاصد:

وتنقسم إلى قسمين: 1) الخصائص الأصلية. 2) الخصائص الفرعية.

أولاً: الخصائص الأصلية:

وهي التي يترتب عليها خصائص أخرى ومن أهم هذه الخصائص:

1- الربانية: ومعناها أن مقاصد الشريعة منزلة من عند الله تبارك وتعالى فهي ربانية المصدر ، وهذا وحده كاف لبيان عظمتها وأهميتها ومكانتها.

2- خاصية مراعاة الفطرة وحاجة الإنسان:

أولاً: المقصود بالفطرة هنا: الجبلة التي خلق الله الناس عليها وجبلهم على فعلها.

ثانيا: موقف الشريعة من الفطرة: يمكن تلخيص موقف الشريعة من الفطرة في النقاط الآتية:

أ/ الشريعة موافقة للفطرة لأن الشريعة من عند خالق الفطرة.

ب/ الشريعة منظمة للفطرة وواضعة للحدود والضوابط الكفيلة باستقامتها والمحافظة عليها وعدم انحرافها. ومن الأمثلة والأدلة على ذلك ما يأتي:

ـ تشريع النكاح لما في الفطرة من الميل إليه.

ـ تشريع التملك وإباحته لما في الفطرة من حب التملك وكل ذلك بضوابط وحدود.

ثالثا: أثر مراعاة الفطرة في مقاصد الشريعة يتجلى ذلك من وجهين:

الأول: أن مقاصد الشريعة جاءت بالمحافظة على الفطرة وكل ما يعد حفاظا عليها وتحذيراً من خرقها فهو واجب وخلافه محرم وما لا يمسها مباح وعلى ذلك يفسر محافظة الشريعة على الضروريات والحاجيات والتحسينيات وغير ذلك فكله من مراعاة الطبيعة البشرية وفطرتها.

الثاني: أن المحافظة على الفطرة وعدم مصادمتها أكسب مقاصد الشريعة خصائص مهمة من الثبات والعموم والاتزان ونحوه لأن فطرة الناس واحدة في كل زمان ومكان.

ثانياً:الخصائص الفرعية:

1) خاصية العموم والاطراد:

معناها: العموم: بمعني الشمول لجميع أنواع التكليف والمكلفين والأحوال والأزمان والأماكن.

والاطراد: ألا تكون تلك المقاصد مختلفة باختلاف الأحوال والأقطار والأزمان بل هي محققة لمصالح العباد في كل زمان ومكان دون اختلال.

فائدة:

1- مقاصد الشريعة ليست متجهة لتحقيق جانب دون آخر بل تشمل جميع جوانب الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها لسعة علم واضعها وحكمته.

2- الأنظمة والقوانين البشرية تتسم بالقصور والتناقض وذلك لقصور واضعها واتجاهه لتحقيق جانب معين عند وضعها ونسيان بقية المواضع.

مثال: العدل في نظام الإسلام وضعت الشريعة وفيها مقصد تحقيق العدل لكن بمعناه الشامل سواءً في الحكم بين الناس أم بين الزوجات أم بين الأولاد أم غير ذلك بخلاف الأنظمة فهي تراعي جانب من هذه الجوانب على خلل وضعف.

2) خاصية الثبات:

معناها: أن المقاصد الشرعية ثابتة لا تزول ولا تتغير ولا تتبدل بتغير الأزمان والأماكن والأحوال فالواجب يظل واجباً دون تغير والسبب يظل كذلك والأركان تظل أركاناً دون تبديل وهكذا بقية مقاصد الشريعة، ولذا بعد استقرار الشريعة وكمالها لا تجد فيها نسخاً ولا تقييداً ولا تخصيصاً ولا رفعاً لحكم من أحكامها.

3) خاصية العصمة من التناقض:

معناها: أن مقاصد الشريعة متناسبة متوافقة غير متنافرة ولا مختلفة ولا متناقضة وهي سمة بارزة في نصوص الشريعة أيضاً، فتجد التوافق والانسجام في النصوص نتج عنه أيضاً توافق وتناسب في المقاصد لأن تناقض النصوص هو تناقض مدلولاتها وتعارض مقاصدها.

4) خاصية البراءة من التحيز والهوى:

معناها: أن الشريعة مبنية على قصد العدل والتوسط والاعتدال وجلب المصالح لجميع البشر وبشتى فئاتهم وطبقاتهم حاكمهم ومحكومهم فهي تحقق المصالح وتدرأ المفاسد عن جميع البشر دون محاباة ، فأركانها وأحكامها وأسبابها تشمل جميع الناس.

5) خاصية القداسة والاحترام:

معناها: أن للشريعة قداسة واحترام ليست للقوانين الوضعية فهي محفوظة سراً وعلانية للأمور التالية:

أ _ أن الله تعالى تولى حساب البشر بنفسه ومهما اختفى الإنسان عن أنظار الناس فإنه يعلم أن الله يراه ويسمعه ويعلم سره ونجواه فيقوم واعظ عليه من داخل نفسه و كيانه فيستعظم أمر معصية الله تبارك وتعالى.

ب _ أن المسلم يعلم أنه إن سلم من العقوبات الدنيوية فلن يسلم من العقوبات الأخروية إلا أن يشاء الله بل إن عقوبة الآخرة أعظم.

ج _ أنه يجد في الشريعة ما يحقق له جميع المصالح على أكمل الوجوه وأتمها فهي جديرة بالاحترام لما يرى من الشقاء والبلاء عند المخالفة فداعي العقل والفطرة يدعو إلى التمسك بها فضلاً عن داعي الشرع.

6) خاصية الضبط والانضباط:

معناها: أن مقاصد الشريعة لها حدود وضوابط لا تتجاوزها ولا تقصر عنها فهي مضبوطة بضوابط وقيود من شأنها أن تجعلها في اعتدال وتوسط سواء في جانب فرض العبادات أم في جانب المعاملات والحدود فهي تكاليف وشرائع تحقق المصالح دون زيادة أو نقصان وهذا بخلاف ما يوجد في أنظمة البشر من القصور والمبالغة في القوانين.

وهذا الضبط في مقاصد الشريعة يحقق أمرين:

الأول: أن يخلصها ويبعدها عن الإفراط والتفريط ويضفي عليها سمة التوسط والاتزان.

الثاني: أنه يجعلها سهلة التطبيق لأن لها حدود وشروط وضوابط بخلاف ما لو كانت مفهومات عامة ومقاصد غير مضبوطة بضوابط فإن هذا يؤدى إلى اضطراب في فهمها ومن ثم في العمل بها.

القواعد الكلية لمقاصد الشريعة:

هذه القواعد هي بمثابة التلخيص لما سبق ذكره من القواعد والضوابط والكلمات الجامعة في باب المقاصد ويمكن جعلها على قسمين:

الأول: القواعد العامة:

ويمكن تلخيصها في القواعد التالية:

1- جاءت الشرائع لمصالح العباد فالأمر والنهي والتخيير بينهما راجع إلى حظ المكلف ومصالحه.

2- الشارع وضع الشريعة على اعتبار المصالح باتفاق.

3- تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق وهي حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات.

4- اشتمال الشريعة على مصلحة جزئية في كل مسألة و مصلحة كلية في الجملة.

5- الأصول الكلية التي جاءت الشريعة بحفظها خمسة وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

6- الضروريات مراعاة في كل ملة وإن اختلفت أوجه الحفظ وهكذا يقتضي الأمر في الحاجيات والتحسينيات.

7- المراتب الثلاث الضروريات والحاجيات والتحسينيات كليات تقضي على كل جزئي تحتها سواء كان إضافياً أم حقيقياً إذ ليس فوق هذه الكليات كلي تنتهي إليه بل هي أصول الشريعة.

8- تنزيل حفظ الضروريات والحاجيات في محل على وجه واحد لا يمكن بل لابد من اعتبار خصوصيات الأحوال والأبواب وغير ذلك من الخصوصيات الجزئية.

9- أن الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية والتكميلية إذا اكتنفها من الخارج أمور لا ترضى شرعاً فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج.

10- ما يقع خطأ من المكلف وفيه إخلال بالضروريات الخمس فقد شرع التلافي حتى تزول المفسدة فيما يمكن فيه الإزالة.

11- القواعد الكلية من الضروريات والحاجيات والتحسينيات لم يقع فيها نسخ وإنما وقع النسخ في أمور جزئية.

12- المراتب الثلاث الضروريات والحاجيات والتحسينيات يخدم بعضها بعضاً وتخصص بعضها بعضاً فإذا كان كذلك فلا بد من اعتبار الكل في مواردها وبحسب أحوالها.

13- يجب أن يعتبر في كل رتبة جزئياتها لما في ذلك من المحافظة على تلك الرتبة وعلى غيرها من الكليات.

14- الأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الكليات عن مقتضاه لا يخرجه عن كونه كلياً.

15- حفظ الضروريات بأمرين:

الأول: ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود.

الثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم.

16- جميع أنواع المناسبات ترجع إلى رعاية المقاصد وما انفك عن أمر مقصود فليس مناسباً.

17- كل مناسبة يرجع حاصلها إلى رعاية مقصود يقع ذلك المقصود في رتبته يشير العقل إلى حفظها ولا يستغني العقلاء عنها فهو واقع في الرتبة القصوى في الظهور.

18- في موضوعات الشرع فيما تعرضت له النصوص غنية و مندوحة عن كل مخترع بالمصالح.

19- اتباع المصالح مع مناقضة النص باطل.

20- لا بد من المحافظة على حدود الشريعة والإعراض عن المصالح لأن الفتوى بالمصلحة اجتهاد ولا اجتهاد مع النص.

21- إنما تطلب الأحكام من مصالح تجانس مصالح الشرع.

22- يجب أن يكون اتباع المصالح مبنياً على ضوابط الشرع ومراسمه.

23- الشرع يحيط بجزئيات من المصالح لا يحيط بها العقل.

الثاني: القواعد الخاصة:

القواعد الخاصة ببعض الأبواب ويمكن أن نذكر منها هنا ستة أقسام ، وهي كالتالي:

الأول: القواعد المتعلقة بمعرفة مقاصد الشريعة:

1- مقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع.

2- كل ما يتضمن حفظ الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ورفعها مصلحة.

3- كل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة.

4- إذا تعارض شران أو ضرران فقصد الشارع دفع أشد الضررين أو أعظم الشرين.

5- الجهة المرجوحة غير مقصودة الاعتبار شرعاً.

6- المفسدة أو المشقة التابعة للفعل المطلوب أو الناشئة عنه ليست مقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه وكذا المصلحة التابعة للمفسدة.

7- الحرج مرفوع فكل ما يؤدي إليه فهو ساقط برفعه إلا بدليل على وضعه.

8- أسباب الرخص ليست بمقصودة التحصيل للشارع ولا مقصودة الرفع.

9- الحرج المعتاد مثله في التكاليف غير مرفوع.

10- الأمر بالفعل يستلزم قصد الشارع إلى وقوع ذلك الفعل، والنهي يستلزم القصد إلى منع وقوع المنهي عنه.

11- مدح الفعل دليل على قصد الشارع إلى إيقاعه.

12- كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين وكان ملائماً لتصرفات الشرع ومأخوذاً معناه من أدلته ، فهو صحيح يبنى عليه ويرجع.

13- وضع الأسباب يستلزم قصد الواضع إلى المسببات.

14- إن الشرع لا يعتبر من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح محصل لمصلحة أو دارئ لمفسدة.

الثاني: القواعد المتعلقة بالمكملات:

1- كل مكمل عاد على أصله بالنقض فباطل.

2- إبطال الأصل إبطال للتكملة.

3- المكمل للمكمل مكمل.

4- المقاصد الضرورية في الشريعة أصل للحاجية والتحسينية.

الثالث: القواعد المتعلقة بوسائل المقاصد:-

1- الوسائل لها أحكام المقاصد.

2- قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة.

3- كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة.

4- كل تصرف جر فساداً أو دفع صلاحاً فهو منهي عنه.

5- أن أجور الوسائل وآثامها تختلف باختلاف مقاصدها.

6- كلما قويت الوسيلة إلى الأداء كان إثمها أعظم.

7- أن عدم إفضاء الوسيلة إلى المقصد يبطل اعتبارها.

8- الوسائل أخفض رتبة من المقاصد.

9- إذا تعددت الوسائل إلى المقصد الواحد فتعتبر الشريعة في التكليف بتحصيلها أقوى تلك الوسائل تحصيلاً.

10- إذا تساوت الوسائل في الإفضاء إلى المقصد باعتبار أحواله كلها سوت الشريعة في اعتبارها وتخير المكلف في تحصيل بعضها دون بعضها الآخر إذ الوسائل ليست مقصودة لذاتها.

11- إن الشيء إذا كان واجباً وله وسائل متعددة لا يجب أحدها عيناً.

12- قد تكون الوسيلة متضمنة مفسدة تكره أو تحرم لأجلها وما جعلت وسيلة إليه ليس بحرام ولا مكروه.

13- يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد.

الرابع: القواعد المتعلقة بالمقاصد التابعة:

1- المقاصد التابعة خادمة للمقاصد الأصلية ومكملة لها.

2- التابع إذا كان خادماً للقصد الأصلي فالقصد إليه ابتداءً صحيح وإلا فلا.

3- لا يعتبر التابع إذا كان اعتباره يعود على المتبوع بالإخلال.

4- ما كان من التوابع مقوياً ومعيناً على أصل العبادة وغير قادح في الإخلاص فهو المقصود التبعي السائغ وما لا فلا.

5- أن ما كان من المقاصد التابعة مثبتاً للمقصد الأصلي ومقوياً لحكمته ومستدعياً لطلبه وإدامته فهو المقصود للشارع وإن لم ينص عليه.

6- أن القصد التابع إذا كان الباعث عليه القصد الأصلي كان فرعاً من فروعه فله حكمه.

الخامس: القواعد المتعلقة بمقاصد المكلفين:

1 ـ قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصده في التكليف.

2 ـ كل قصد يخالف قصد الشارع فهو باطل.

3 ـ كل أمر شاق جعل الشارع فيه للمكلف مخرجاً ، فقصد الشارع بذلك المخرج أن يتحراه إن شاء على الوجه الذي شرعه له.

4 ـ أن الأمور العادية إنما يعتبر في صحتها ألا تكون مناقضة لقصد الشرع ولا يشترط ظهور الموافقة.

5. القصد غير الشرعي هادم للقصد الشرعي.

السادس: القواعد المتعلقة بالترجيحات:

1- آكد المراتب الضروريات فالحاجيات فالتحسينيات.

2- المقاصد العامة مقدمة على الخاصة.

3- أعظم المصالح جريان الأمور الضرورية الخمسة المعتبرة في كل ملة وأعظم المفاسد ما يكر عليها بالإخلال.

4- يرجح ما كان راجعاً إلى كلي ضروري على ما رجع إلى كلي تحسيني.

5- المصلحة الأصلية أولى من التكميلية.

6- درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

7- مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل أبداً.

8- تقدم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة.

9- ما تثبت مفسدته في جميع الأحوال مقدم على ما تثبت مفسدته في حال دون حال.

10- تقدم المفسدة المجمع عليها على المختلف فيها.

11- حفظ البعض أولى من تضييع الكل.

12- ما كان مطلوبا بالقصد الأول هو أعلى المراتب.

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: تابع لمحاضرات مقاصد الشريعة   الجمعة 25 مايو 2012 - 17:08

علاقة مقاصد الشريعة بالأدلة الشرعية:

الشريعة الإسلامية وحدة متكاملة ونظام شامل اتّحدت جزئياتها وكلياتها على جلب المصالح وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها، ولذا كان من الطبيعي في هذه الشريعة أن تكون الصلة قوية وواضحة بين مقاصد الشريعة وأدلتها إذ ما من دليل إلا وهو يتضمن مقصداً كلياً أو جزئياً فالدليل يحمل في طياته قصد الشارع من التشريع وسوف نذكر هنا علاقة المقاصد بالأدلة المتفق عليها والمختلف فيها.

(1) علاقة المقاصد بالأدلة المتفق عليها:

أولاً: علاقة المقاصد بالقرآن الكريم:

تظهر علاقة القرآن الكريم بالمقاصد الشرعية من عدة جهات:

الأولى: من حيث إدراكها، حيث يعتبر القرآن الكريم من أهم المصادر لإدراك هذه المقاصد ومعرفتها وتقريرها وبيان ضوابطها وغيره، و من أمثلة ذلك:

1- معرفة مقصد رفع الحرج من قوله تعالى: ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) المائدة 6.

2- مقصد إخلاص العبادة لله وحده من قوله تعالى: ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) البينة 5.

3- مقصد العدل في الأقوال والأفعال من قوله: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان) النحل 90،( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا) المائدة 8.

4- مقصد النهي عن الفساد والإفساد من قوله تعالى: ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) الأعراف 85.

5- مقصد الاتفاق والائتلاف والنهي عن الفرقة والاختلاف من قوله تعالىSad واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) آل عمران 103.

الثانية: أن القرآن الكريم يعتبر دليلاً على مراعاة الشريعة للمقاصد والمصالح فقد ذكر بعض الأحكام الشرعية خاصة ونص عليها وبين ثمرتها وفائدتها ومن أمثلة ذلك:

1) قوله تعالى:(إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر …) العنكبوت 45.

2) وقوله:(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ……) التوبة 103.

3) وقوله:(كتب عليكم الصيام … إلى قوله:.. لعلكم تتقون) البقرة 183.

الثالثة: من جهة كيفية طريقة القرآن في بيانها وتقريرها ويتلخص بعض ذلك في النقاط التالية:

1/ التنصيص على علة الحكم بالطرق المعروفة في مسالك العلة.

2/ إيراد النصوص الكثيرة حول المعنى المعين وتنوع الأسلوب من أمر به أو نهي عن ضده أو مدح لفاعله أو ذم لتاركه أو ضرب الأمثال له أو قصة معينة وكل ذلك ينتظم معنى كلي كالدعوة إلى التوحيد مثلاً.

الرابعة: أهمية المقاصد في فهم القرآن وتفسيره فيكون فهمه للقرآن وتفسيره له متمشياً ومنسجماً مع مقاصد الشريعة وبيان ذلك من وجهين:

أ/ أن القرآن الكريم مشتمل من الآيات على الحكم الواضح والمتشابه الذي لم تتضح دلالته أو ما احتمل أكثر من معنى فوجب ردها إلى النصوص المحكمة فيكون ردها إلى المحكم مبيناً للمعنى والمقصد الشرعي المفهوم من نصوص الشريعة الأخرى مجتمعة وبهذا نحمل النص المحتمل على ما يوافق نصوص الشريعة ومقاصدها.

فيعلم بذلك أن كل تأويل خالف النصوص الشرعية أو أبطلها أو عارض مقاصدها الواضحة فهو باطل فإن وجدنا تفسيراً يوافق ظواهر النصوص ومقاصد الشريعة عملنا به وإلا أرجعنا علمها إلى الله تعالى.

ب/ أن المقاصد ذكرت بكثرة وبعضها مرتب على بعض منها الأصلي ومنها التابع ومنها المقيد بالسنة فتحتاج إلى عدة أمور:

1- جمع مقاصد الحكم الواحد في القرآن لتحقيق ذلك الحكم على أفضل الوجوه كما أراد الله تعالى بشرعه.

2- المعرفة بدرجات ورتب المقاصد وذلك للعناية بالأهم منها بقدر الاستطاعة فيسعى لتحقيق المقصد الأصلي الذي تستقيم به النصوص خلافاً للمنافقين الذين نظروا إلى المقصد التابع من حفظ الدماء والأمور والأغراض وأغفلوا المقصد الأصلي من الإيمان بالله وتحقيق عبوديته ونيل رضاه في الدارين.

3- ضم مقاصد السنة إلى مقاصد القرآن إذ المطلوب هو العلم بمقاصد الكتاب والسنة، فالسنة مفسرة للقرآن ومؤكدة له ومنشئة لأحكام ليست في القرآن وإلا حصل الخلل بسبب النظر إلى مقاصد نصوص معينة وإهمال مقاصد نصوص أخرى مبينة لها ومستقلة.

الخامسة: يعتبر القرآن ضابطاً من ضوابط المصلحة بحيث يشترط لاعتبارها عدم مخالفتها لها.

السادسة: تحديد القرآن لمقاصد المكلف بحيث تكون على وفق القرآن ونهجه.

وبهذا ظهر لنا الصلة بين المقاصد وبين القرآن الكريم.

ثانياً:علاقة المقاصد بالسنة النبوية:

يشبه الكلام في هذا المبحث إلى حد ما، ما سبق في المسألة السابقة وهو علاقة القرآن الكريم بالمقاصد حيث تظهر علاقة المقاصد الشرعية بالسنة النبوية من خلال الأمور التالية:

1- من حيث إدراك المقاصد الشرعية وبيانها لأن مصدر المقاصد هو الكتاب والسنة فإغفال السنة النبوية معناه إغفال جزء من الشريعة كاملة كتاب وسنة، كما أنها تؤكد المقاصد الواردة في القرآن.

2- أن السنة النبوية مبينة للقرآن الكريم وذلك يشمل بيان المقاصد في بعض الأحكام التي لم ينص عليها القرآن الكريم مع زيادة بيان وتوضيح لما ذكره القرآن ومثال ذلك: حكم النكاح حيث ورد في القرآن وجاءت السنة ببيان بعض مقاصده التي لم تذكر في القرآن مثل قوله صلى الله عليه وسلمSad يا معشر الشباب من استطاع منكم...) الحديث رواه البخاري ومسلم، وبيان مقصد الاستئذان المأمور به في القرآن مثل قوله صلى الله عليه وسلمSad إنما جعل الاستئذان من أجل البصر).

3- أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو أعلم الناس بمقاصد القرآن فالحاجة ماسة إلى الاطلاع على أقواله المبينة لنصوص الكتاب لمعرفة مقاصدها وهذا بالنسبة للسنة المبينة.

4- استقلال السنة ببعض الأحكام التي لم توجد في القرآن والحاجة ماسة إلى معرفة هذا القسم ومقاصده وهذا بالنسبة للسنة المستقلة.

5- ورود السنة ببعض المقاصد المذكورة في القرآن وهذا يزيد الأمر أهمية ووضوحاً بسبب تكاثر النصوص وتواردها على المعنى الواحد وهذا بالنسبة للسنة الموافقة.

6- حديث الآحاد وبيان علاقته بالمقاصد وهل يقدم على القياس والأصول عند التعارض مع العلم أن الحديث حجة مستقلة إذا صح ويستفاد منه مقاصد تضاف إلى السنة النبوية لكن هنا أموراً ينبغي التنبيه عليها في حديث الآحاد وهي:

أ) لا يتصور تعارض حديث صحيح من كل وجه وهو خبر واحد مع مقاصد الشريعة فإذا حصل ذلك فإما أن يعود إلى عدم صحة الحديث أو عدم صحة المقصد المفترض فقد يتصور البعض مقصداً للشريعة والحقيقة أنه ليس كذلك، وإما أن يكون المقصد دقيقاً خفياً في دخوله ضمن المقصد العام، حتى يظن الناظر أنه غير داخل وهو داخل من وجه لم يتفطن له، أو يكون المقصد العام مقيداً بحديث آحاد فتستثنى حالة الحديث.

ب) أن ترك الحديث الصحيح للقياس هو ترك المتيقن للمظنون لأن الحديث لابد أن يتضمن جلب مصلحة أو درء مفسدة وهذا يقين بخلاف القياس فهو ظن.

ج) أن التقيد بالنص فيه محافظة على المصلحة.

د) أن حمل الحديث على وجه محتمل متفق مع بعض المقاصد أمر لا ينكر لكون أقواله صلى الله عليه وسلم يصدق بعضها بعضاً، وأما ما يذهب إليه بعض المنسوبين للدعوة من أن الحديث يفهم في ضوء مقاصد الإسلام ويحكم عليها بالصحة والضعف في ضوء المقاصد .

ثالثاً:علاقة المقاصد بالإجماع:

تظهر علاقة المقاصد بالإجماع من خلال النقاط التالية:

1- من حيث كونه مصدراً من مصادر التعرف عليها إذ الإجماع من أهم مسالك معرفة العلة التي تعرف بها، ويعتبر الإجماع مؤكداً لدلالة الكتاب والسنة ومرسخاً لما فيهما من المقاصد.

2- أن المقاصد التي تثبت بالإجماع أقوى من المقاصد المختلف فيها ويستفاد من ذلك في ترجيح المقاصد.

3- أن من شروط الاجتهاد المعتبر عند العلماء معرفة مقاصد الشريعة والإجماع إنما هو إجماع المجتهدين وذلك يتوقف على فهم المجتهد لمقاصد الشريعة الخاصة والعامة وعلى ذلك فحصول الإجماع متوقف على معرفة مقاصد الشريعة من هذه الجهة، وبمعني أقرب نقول: الإجماع لا يمكن إلا من المجتهدين والمجتهد من شروطه معرفة مقاصد الشريعة وأسرارها، إذاً فيكون الإجماع متوقف على معرفة المقاصد الشرعية.

رابعاً:علاقة المقاصد بالقياس:

يتحدث علماء الأصول عن المقاصد الشرعية في باب القياس عند الحديث عن مسالك العلة وبالتحديد عند مسلك المناسبة وكان حديثهم عن المناسب ومقاصد الشريعة وبيان قواعدها وضوابطها ومن تلك المباحث:

1) تقسيم المناسب باعتبار حصول المقصود من شرع الحكم به وأن المناسب لا يعتبر إلا إذا حصل المقصود من شرع الحكم يقينا أو ظناً فإن حصل جاز التعليل به.

2) تقسيم المناسب باعتبار شهادة الشرع له إلى ثلاثة أقسام:

أ) ما علم أن الشارع اعتبره . ب) ما علم أن الشارع ألغاه.

ج) ما لم يعلم له اعتبار ولا إلغاء.

3) أنهم قسموا المناسب باعتبار ذاته إلى حقيقي وإقناعي وتكلموا في الحقيقي عن الضروري والحاجي والتحسيني التي أصبحت فيما بعد أساس المقاصد وقاعدتها، وبالجملة فقد كان مبحث المناسبة عند الأصوليين هو مبحث مقاصد الشريعة باعتبار أن المناسبة المطلوبة هي التي تتفق مع مقاصد الشرع واعتباراته.

4) من المباحث في باب القياس التعليل بالحكمة وهي التي لأجلها صار الوصف علة وعرفها بعضهم بأنها جلب مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها، وبهذا تكون الحكمة هي مقصد الشريعة من شرع الحكم.

5) أن بعض الأصوليين جعل المقاصد نفسها أوصافاً حيث قال: المناسب هو الوصف المفضي إلى ما يجلب للإنسان نفعاً أو يدفع عنه ضرراً فيظهر أن ركن القياس الأهم هو العلة والعلة يشترط فيها المناسبة وهي مراعاة المقاصد الشرعية من جلب مصلحة أو دفع مفسدة.

6) أن الحكم يكون موافقاً للقياس إذا وافق مقاصد الشريعة العامة التي ترجع إلى جلب المصالح، وعليه فالمقاصد تمثل الضابط الشرعي للقياس الذي يجعلها محققة لروح الشريعة، ويحقق في القياس مهمته ووظيفته التي هي تحصيل المصالح وتعطيل المفاسد، ويبعد عن التشديد وجلب الحرج، وتمثل المقاصد والخبرة بأسرار الشريعة الفرقان بين القياس الصحيح والفاسد.

7) القياس الصحيح الموافق لمقاصد الشريعة يعتبر علماً من أعلام محاسن الشريعة حيث يظهر بذلك ديمومتها وصلاحها لكل زمان ومكان.

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: تابع لمحاضرات مقاصد الشريعة   الجمعة 25 مايو 2012 - 17:10

(2) علاقة المقاصد بالأدلة المختلف فيها:

أولاً:علاقة المقاصد بالمصلحة:

المصالح تنقسم إلى ثلاثة أقسامSad المعتبرة ، والملغاة، والمرسلة) . فأما المعتبرة: وهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات فقد علم مما سبق الصلة الوثيقة بينها وبين المقاصد الشرعية ويبقى الحديث حول المصالح المرسلة وعلاقة المقاصد بها.

- علاقة المقاصد بالمصالح المرسلة:

تتضح العلاقة بين المقاصد والمصالح المرسلة مما يأتي:

1- اشتراط ملاءمة المصلحة المرسلة عند القائلين بها لمقاصد الشريعة بحيث لا تنافي أصلاً من أصوله ولا دليلاً من دلائله فلا عبرة بها حتى يقوم لها ما يؤيدها من المقاصد الشرعية.

2- أنه لا يقرر الأخذ بالمصلحة المرسلة إلا من كان عالماً بمقاصد الشريعة ضابطاً لأسرارها متفقهاً في نصوصها وبهذا يزول الخوف من أن الأخذ بالمصلحة المرسلة يفتح باب الفوضى في الشريعة.

3- أن عمدة القائلين بالمصلحة المرسلة أن من المقاصد الشرعية مراعاة المصلحة فإذا عدم النص وتحققت المصلحة وكانت راجحة وعدمت المفسدة في أي قضية فإنها تكون مقصودة للشارع.

ثانياً:علاقة المقاصد الشرعية بالاستحسان:

تظهر علاقة المقاصد بالاستحسان من خلال الأمور التالية:

1) أن الاستحسان ترك القياس لدليل آخر أقوى منه فكأنه بذلك يعود إلى الأدلة الأخرى التي سبق بيان علاقتها بالمقاصد.

2) أنه استثناء من القياس الكلي الذي يؤدي التزامه إلى الحرج والمشقة والضيق فهو بهذا الاعتبار يرجع إلى رعاية مقاصد الشريعة لأن الاستثناء ما شرع إلا لرفع الحرج الذي هو من أهم مقاصد الشريعة أو لتحقيق مصلحة أو دفع مفسدة.

3) الأمثلة التي ذكرها القائلون بالاستحسان يتضح أن الاستحسان رجوع إلى مقاصد الشريعة كاستثناء السلم والإجارة بالنص لحاجة الناس وهذا راجع إلى رفع الحرج، والاستصناع المستثنى بالإجماع لحاجة الناس.

4) أن النظر في مآلات الأفعال معتبر ومقصود شرعاً ومن الأصول المبنية على هذه القاعدة الاستحسان وذلك أن التزام الدليل العام يؤدي إلى الحرج والضيق ويؤول إليه والاستحسان ترك الدليل العام نظراً إلى مآله.

ثالثاً: علاقة المقاصد بسد الذرائع:

إن من أكثر الأدلة التصاقاً وارتباطاً بالمقاصد سد الذرائع وبيان ذلك من وجوه:

1- أن سد الذرائع في نفسه مقصد من مقاصد الشريعة كما دلت النصوص الكثيرة لقوله تعالىSad ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ) من باب التصريح على المنع من المباح المفضي إلى الحرام ومثله منع سب الرجل المفضي إلى سب والديه، ومنع سفر المرأة بغير محرم والنهي عن الخلوة والتشبه بالنساء والصلاة عند طلوع الشمس ونحوه.

2- أن في سد الذرائع حماية لمقاصد الشريعة وتوثيقاً للأصل العام الذي قامت عليه الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد لأن الأمر المباح قد يؤدي الأخذ به إلى تفويت مقصد الشارع ، والمحافظة على مقصود الشارع أمر مطلوب لكونه أعظم مصلحة وأقوى أثراً فلا غرابة إذا منع الشارع من المباح لتأديته إلى حصول مفسدة أعظم مناقضة لمقصود الشارع.

3- أن سد الذرائع يرجع إلى اعتبار المآل واعتبار مآل الأفعال من المقاصد المهمة في الشريعة والدليل على ذلك الأدلة الشرعية والاستقراء التام قال تعالىSad ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم) ولما أشير للنبي صلى الله عليه وسلم بقتل من ظهر نفاقه قال: (أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) وقوله لعائشة: (لو لا أن قومك حديث عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم).

رابعاً: علاقة المقاصد بفتح الذرائع:

المقصود بفتح الذرائع هنا: هو فتح الذرائع المؤدية إلى جلب المصالح وتحقيق المقاصد التي لا تحصل إلا بها فكما يجب سد الذرائع يجب فتحها ويكره ويندب ويباح فالذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة الحرام محرمة فكذلك وسيلة الواجب واجبة كالمشي إلى الجمعة ذلك أن موارد الأحكام على قسمين:

الأول: مقاصد وهي الطرق المفضية للمصالح والمفاسد في أنفسها.

الثاني: وسائل وهي الطرق المفضية إليها وحكمها كحكم ما أفضت إليه من تحريم أو تحليل وهذا ما قرره العلماء في قاعدة الأمر حيث قالوا: ( ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

خامساً: علاقة المقاصد بإبطال الحيل:

ما كان من الحيل مخالفاً لمقصود الشارع فهو باطل سواءً توصل إليه بمباح أو بحرام لأن الحيل مناقضة لمقاصد الشارع وفيها تفريغ للنصوص من معانيها، والمحتال ساع في دين الله بالفساد من وجهين:

الأول: إبطال حكمة الشارع في الأمر المحتال عليه.

الثاني: أن الأمر المحتال به لم يكن له حقيقة ولا كان مقصوداً بحيث يكون محصلاً لمراد الشارع، فالمحتال مخادع لله ورسوله، ولم يفقه حكمة الشارع، بعيد عن رعاية مقصود الشرع، وعلى ذلك فإن علاقة المقاصد بإبطال الحيل تتخلص بثلاثة أمور:

1. انتهاج الحيل مناقضة للشارع ومخادعة له وإبطال لمقاصد الشرع.

2. أن الجهل بحكم الشرع وعلله من أسباب إتباع الحيل.

3. المنع من الحيل يمثل توافق الشريعة وانضباطها وعدم تناقضها واضطرابها فيستحيل عقلاً وشرعاً أن يسد الشرع وسائل الفساد من جهة ثم يفتحها من جهة أخرى فإن هذا لهو وعبث يتنزه الشارع عنه.

سادساً: علاقة المقاصد بقول الصحابي:

تظهر العلاقة بين مقاصد الشريعة وقول الصحابي من خلال الأمور التالية:

1) أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم المكانة العالية والمنزلة الرفيعة في فهم هذا الدين وإدراك معانيه وذلك للأسباب التالية:

أ) التلقي المباشر من النبي صلى الله عليه وسلم وكان لهذا أثره في فهم الدين من جهة صفاء المورد ودقة الفهم واليقين بما سمعوا وفهموا واطلاعهم على أسباب النزول وورود الحديث ومعرفة ناسخ الحديث و منسوخه ومشاهدة لأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم التي تفسر أقواله وتشرحها.

ب) سليقتهم العربية فيعرفون بسليقتهم دلالة القرآن والسنة دون حاجة إلى ما يحتاجه غيرهم من علوم اللغة.

ج) إخلاصهم لله وتقواهم له فكل هذه الأسباب شكلت فقهاً قوياً متماسكاً لدى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

2) وبناء على ما سبق فهم أعلم بمقاصد الشريعة ومراميها من غيرهم إذ من أهم الطرق المحصلة لمقاصد الشريعة العلم من الكتاب والسنة والاستنباط منهما وهذا متوفر لدى الصحابة بلا شك على أكمل الوجوه، قال الشاطبي رحمه الله: السلف أعلم الناس بمقاصد القرآن وهم القدوة في فهم الشريعة والجري على مقاصدها.

3) أن المتمسك بقول الصحابي أخذ بمقاصد الشريعة وولج فيها من أوسع أبوابها ولذا كان من أسباب الاحتجاج بقول الصحابي عند من يقول به معرفتهم بمقاصد الشريعة ومن أمثلة معرفتهم بذلك جمع القرآن خوفاً عليه من الضياع وحفظاً للدين واعتماداً على مقصد الشريعة في جلب المصلحة ودفع المفسدة وكذلك تضمين الصناع حفظاً للأموال من الضياع مراعاة لمقصد الشريعة في حفظ الأموال.

4)الاهتداء بهم في معرفة مقاصد الشريعة وإدراكها وفهم معاني الكتاب والسنة.





سابعاً: علاقة المقاصد بالعرف:

تظهر العلاقة بين مقاصد الشريعة وبين العرف من خلال الأمور التالية:

1- أن الشريعة أحالت في بعض أحكامها على العرف كما في قوله تعالىSad وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) وكما في تقدير المتعة للمطلقة والأكل من مال اليتيم ونحوه.

2- أن الشريعة ذكرت فيها أحكام مطلقة لم تحدد كالحرز والإكرام والإحسان وقد قرر العلماء أن كل ما ورد به الشرع مطلقاً بدون ضوابط ولا تحده اللغة يرجع فيه إلى العرف.

3- أن العلماء قرروا أن الأحكام الاجتهادية المبنية على العرف تتغير بتغير الأزمان والأمكنة والأحوال وذلك حسب مقاصد الشريعة.

4- أن مجال العرف أمور ثلاثة:

أ) العمل في الحالات التي أحال الشارع فيها عليه.

ب) الأحكام المطلقة في الشريعة التي لم تحدد في الشريعة واللغة.

ج) المسائل الاجتهادية التي مبناها على تحقيق مصالح الناس ولذا لم يقل العلماء بالعرف بدون ضوابط بل قيدوه بشروط يفهم منها مراعاة مقاصد الشريعة منها كون العرف لا يخالف نصاً لأن في ذلك تفويت المصالح من وراء النصوص مع تضمنه إبطال الشريعة لكثرة الأعراف وتجددها.

5 – أن حمل الناس على ما يخالف أعرافهم فيه مناقضة لمقصود الشارع.

6 – العمل بالعرف يؤكد ما جاءت به الشريعة من التيسير ورفع الحرج.

7 – عدم الأخذ بالعرف يدفع الناس إلى مناقضة مقصود الشارع بإتباع الحيل.

8 – العرف يشكل عنصراً مهماً في الحفاظ على معاملات الناس.

ثامناً: علاقة المقاصد بشرع من قبلنا:

تظهر علاقة المقاصد بشرع من قبلنا من خلال الأمور التالية:

1 – دليل على أن الشارع راعى المقاصد الضرورية في كل شريعة وهذ يمثل دليلاً على قطعيتها والجزم بثبوتها.

2 - أن الشريعة الإسلامية لها خصائص ليست موجودة في الشرائع السابقة من الشمول ورفع الحرج والحفظ وغير ذلك.

3 - وجود بعض الأحكام المنقولة عن الشرائع السابقة في شريعتنا دون إنكار أو إقرار ولا يناقض ذلك كونها شريعة متميزة.

5 – إن أعظم المقاصد و أشرفها عبودية الله تعالى وجميع الضروريات راجعة إليها.

6 – الموازنة بين شريعتنا وغيرها من الشرائع تظهر كمال شريعتنا وعدلها وفضلها.

7 – الترجيح عند التعارض بين ما ثبت بشرع من قبلنا وفي شريعتنا ما يناقضها.

مسألة: ما الحكم إذا خالف شرع من قبلنا ما هو مقرر من مقاصد الشريعة ؟

والجواب: أن العلماء قد ردوا شرع من قبلنا إذا خالف الدليل الجزئي من شرعنا ومن باب أولى أن يرد شرع من قبلنا إذا خالف القواعد الكلية الثابتة بأكثر من دليل، فإذا وجدنا حكماً في شرع من قبلنا يلزم منه الحرج تركنا ذلك وأخذنا بما دل عليه شرعنا من رفع الحرج وغيره مثله.





تاسعاً: علاقة المقاصد بالاستصحاب:

تظهر علاقة المقاصد بالاستصحاب من خلال الأمور التالية:

1) أن من خصائص الشريعة الاطراد والاستمرار في الأحكام فهي لكل زمان ومكان وأمة تستوعب جميع الحوادث المتجددة بقواعدها الكلية.

2) أن العلماء قرروا في الاستصحاب استدامة إثبات ما كان ثابتاً أو نفي ما كان منفياً مراعاة لمقاصد الشرع من البقاء والاستقرار من جهة ومراعاة الانضباط والاطراد وعدم الاضطراب في الأحكام من جهة أخرى مع ما يحقق الاستصحاب من حفظ المصالح ومراعاتها وهو من أهم مقاصد الشريعة.

3) الأصول الثابتة الكثيرة المقررة ومن ذلك ما يلي:

أ) الأصل في الأشياء النافعة الإباحة.

ب) الأصل في العبادات المنع.

ج) الأصل في المعاملات الإباحة.

وغير ذلك من الأصول المقررة المحققة لمصالح كثيرة لا تعد ولا تحصى.

9)علاقة المقاصد بالسياسة الشرعية:

المقصود بالسياسة الشرعية في اللغة: القيام على الشيء بما يصلحه وفق المعايير الشرعية وضوابطها. واصطلاحاً: مجموع الولاية الصالحة والسياسة العادلة مما يصلح الراعي والرعية.

وعلى ذلك يمكن تلخيص علاقة المقاصد بالسياسة الشرعية على النحو الآتي:

1. أن مقاصد الشريعة هي هدف السياسة وقبلتها وغايتها، إذ وظيفة الحاكم في الدولة إنما هي حراسة الدين والدنيا، وإصلاح أمور العباد في المعاش والمعاد، وهذا هو غاية نظام الحكم حراسة الدين الإسلامي وإقامة المصالح الدنيوية على وفق الدين ومقاصده أي حفظ حقوق الله تعالى وحقوق عباده.

2. أن مقاصد الشريعة تمثل ضابطاً لأحكام السياسة، بحيث تبقى دائماً تحت مظلة الشريعة، وكبح كل من أراد الخروج عن أحكام الدين بحجة السياسة والمصلحة.

3. تمثل السياسة الشرعية دوراً هاماً في بيان يسر الشريعة ومراعاتها لمصالح العباد، وشمولها وصلاحها لكل عصر وذلك برجوع بعض طرقها وأساليبها إلى حاجات الناس وعاداتهم وما يجد من تطورات علمية وطرق سياسية حديثة مما يوافق أصول الشريعة ولا يتعارض معها.
4. تمثل السياسة الشرعية طريقاً ومنهجاً سوياً في تنزيل مقاصد الشريعة على الواقع ومراعاة الظروف المتغيرة والموازنة بين المصالح والمفاسد المتزاحمة والمتعارضة.

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: التابع الأخير لمحاضرات مقاصد الشريعة الإسلامية د. مبارك المصري   الجمعة 25 مايو 2012 - 17:12

مصادر ومراجع مقاصد الشريعة:


1- الموافقات في أصول الشريعة
أبو إسحاق الشاطبي ، بتعليق عبد الله دراز
2- إعلام الموقعين
ابن القيم
3- قواعد الأحكام
العز بن عبد السلام – تحقيق عبد الغني
4- شفاء الغليل
أبو حامد الغزالي – تحقيق محمد الكبيسي
5- مقاصد الشريعة
محمد الطاهر بن عاشور ، تحقيق الميساوي
6- مقاصد الشريعة و مكارمها
علال الفاسي
7- المقاصد العامة للشريعة
يوسف العالم
8- مقاصد الشريعة الإسلامية
محمد اليوبي
9- نظرية المقاصد عند الشاطبي
أحمد الريسوني
10- الشاطبي و مقاصد الشريعة
حمادي العبيدي
11- تعليل الأحكام
الشيخ محمد مصطفى شلبي
12- علم مقاصد الشارع للدكتور عبد العزيز الربيعة.

13- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية للدكتور بن زغيبه .

14- المقاصد في المذهب المالكي خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين ، للدكتور نور الدين الخادمي.

15- طرق الكشف عن مقاصد الشارع ، للدكتور نعيم جغيم.

16- مقاصد الشريعة ، لمحمد مهدي شمس الدين وآخرون.

17- مقاصد الشريعة عند ابن تيمية ، للدكتور يوسف أحمد بدوي.

18- مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام للدكتور عمر بن صالح بن عمر.

الله أسأل أن ينفعنا بما علمنا وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه نافعة لعباده إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين.

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
Admin
المدير والمشرف العام على المنتدى
avatar

ذكر الموقع : موقع ومنتديات مجمع شعاع النور الإسلامي
عدد المساهمات : 86

مُساهمةموضوع: رد: محاضرات مقاصد الشريعة الإسلامية لطلاب الدراسات العليا   الجمعة 25 مايو 2012 - 17:18

وجزاكم الله خيرا

أرجو كل من يهمه هذا البحث أن يسجل تعليقة ، في غاية الأهمية

_________________
د. مبارك المصري النظيف المحامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmasrii.sudanforums.net
 
محاضرات مقاصد الشريعة الإسلامية لطلاب الدراسات العليا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الشيخ الدكتور مبارك المصري النظيف :: منتدى طلاب الدراسات العليا :: قسم مقاصد الشريعة الإسلامية-
انتقل الى: